من خصائص مجتمع الجماعات المأزومة رفضه إدراك العوامل والمسارات التي أوصلته إلى ما هو فيه. وإذا لم يتمّ هذا الإدراك فلن يحدث تطوّر حقاً، ولن تسلك المشكلات طريق الحلول، وسيستمر الدوران في الحلقة المفرغة نفسها. تلك هي حال مجتمع الجماعات، الذي ما زال هو نفسه منذ نشوء الدول الوطنية على أنقاض السلطنة العثمانية قبل مائة عام، لم يستطع أحدٌ تفكيكه إلى أفراد - مواطنين، مندمجين عميقاً في الكيان الوطني الواحد. وما يزيد من خطورة الظاهرة أنه، تحت تأثير الأفكار الفردية الواردة من الحداثة الغربية منذ القرن التاسع عشر، باتت الجماعات، خصوصاً المتكلمين باسمها في الصحافة وعلى المنابر، وأخيراً وسائل التواصل الاجتماعي الفالتة على غاربها، يتخيّلون أنفسهم أفراداً يعبّرون عن دخائلهم، بينما هم ينطقون بدخائل جماعاتهم بالكامل؛ فالنقاشات الفكرية هي في غالبيتها العظمى عملية اصطدام حادّ، ليس بين الأفراد أنفسهم كما هم يتخيّلون، بل بين جماعاتهم.
لم يعق ذلك معالجة مشكلات الحاضر فحسب، بل خلق أيضاً خوفاً عميقاً من التاريخ، وهما أمران مترابطان. وفي الحالة اللبنانية، كمثال مشرقي، يؤدي الخوف من التاريخ إلى استحالة إدراك الذات إدراكاً هادئاً خلّاقاً، ويزيد من تعقيد المشكلات وتعذّر فهمها وحلّها. إنّه لأمر مأساوي يستحيل تجاوزه ما دامت الجماعات هي السائدة، وهي سائدة أكثر فأكثر. وإذا كان الخوف من التاريخ الفردي وبواطنه على مستوى الأفراد، يعالجه علم التحليل النفسي منذ فرويد وتكريسه مفهوم اللاوعي، فكيف تكون معالجة الخوف من التاريخ على مستوى الجماعات؟
هكذا، يضحي كل شيء في التاريخ موضع جدل عميق لا نهاية له ولا نتيجة منه، حتى الأمور الأكثر بداهة ووضوحاً. وسنتوقّف عند بعض الأمثلة، مما يتيحه المجال هنا.
ماذا يضير الخائفين من التاريخ أن يكون الكيان اللبناني الأول ظهر عام 1861 وليس عام 1920؟ وأن يكون «لبنان الكبير» تحت الانتداب الفرنسي هو استمراراً «للبنان الصغير» المتمتع بالحكم الذاتي داخل السلطنة العثمانية؟ تُرى ما المخيف في هذه الحقيقة التاريخية التي لا لبس فيها؟ ولماذا طمسها؟ وفي الحقيقة، سنة 1861، كانت هي المرة الأولى التي يظهر فيها اسم لبنان ككيان سياسي. قبل ذلك، ومنذ أقدم الأزمان، كان لكلمة «لبنان» معنى جغرافي بحت. هو اسم الجبل المشرقي الشاهق، المغطّى بالغابات والمكلل بالثلوج، الذي تغنّت به الأساطير القديمة ثم النصوص المقدسة، ثم الكثير من كتب الرحّالة الأوروبيين. وحتى الإمارة المعنية، ثم الإمارة الشهابية، على مدى أكثر من ثلاثة قرون، لم تحمل ولا مرّة اسم لبنان، بل اسم إمارة الجبل، أو إمارة الشوف... أو غيرهما.
و«الصيغة اللبنانية»، هذه الفيدرالية المجتمعية ضمن الأرض الواحدة، التي تحفظ تمثيل الجماعات بمعزل عن حجمها العددي، ما المخيف في كونها النظام السياسي الأقدم والأكثر استمرارية في المنطقة، وهي ما زالت قائمة طوال 165 عاماً، من عام 1861 حتى اليوم، باستثناء سنوات الحصار الكبير والمجاعة الكبرى الثلاث، من 1915إلى 1918؟ ولماذا المحاولة الدائمة لاستبدال عبارة «الطائفية السياسية» بعبارة «الصيغة اللبنانية»، لتضييع تاريخيتها ومعناها، وللإيحاء بأن إلغاءها يحلّ مجمل المشكلات، ويضع لبنان على طريق الديمقراطية العددية العلمانية المتقدمة، الشبيهة بالديمقراطيات الأوروبية، وهو وهمٌ خالص؟
ولماذا التوجّس من القول بأن الكيان اللبناني، في ظل «الصيغة اللبنانية»، على الرغم من عثراتها، كان له، خصوصاً من عام 1861 إلى عام 1975، على مدى 114 عاماً، الإسهام الأكبر في جميع الإنجازات النهضوية والثقافية والحياتية التي عرفها المشرق، وفي رفع راية الحريات والمعرفة ونوعية الحياة البشرية؟ ولماذا التغاضي الدائم عن كون الكثير من هذه الإنجازات برز في كنف «لبنان الصغير»، واستمرّ ونما في «لبنان الكبير»؟ فما الذي يخيف في ذلك؟
ولماذا الخوف من كون جبل لبنان هو المعطى الجغرافي الفريد في دنيا المشرق، بطبيعته وموقعه وتاريخه، الذي تكوّنت حوله هذه البلاد، وحملت اسمه؟ لماذا لا يخاف الفرنسيون من كون بلادهم انطلقت من «جزيرة فرنسا» حيث باريس وضمّت إليها، على مدى زمني طويل، سائر المناطق، التي كانت آخرها منطقة السفوا في جبال الألب عام 1861؟ فما المخيف في ذلك، وهو المسار الجيو- تاريخي نفسه الذي تكوّنت فيه بلدان كثيرة؟
وإذا لم تنتفِ مأساة الخوف من التاريخ، فلن يكون من حاضر، ولا من مستقبل.

