: آخر تحديث

حول الموسيقى وآثارها الاجتماعية

3
3
3

لم تكن الموسيقى بحيويّتها العالية إلا جزءاً من تاريخ التكوين البشري؛ فهي عنصر أساسي من التعبير عن الوجود الإنساني، بتنوّع ظروفه وتغيّر حقبه الزمانية. وما كانت الموسيقى بعيدة عن النظريّة السوسيولوجية، ولا عن التأسيس والتبويب الفلسفي.

نعم؛ إن الموسيقى ليست فكرة، ولا دعوة، ولا رسالة، وإنما هي حيلة حسّية، عمقها في اعتباطية دلالتها. وهي ليست دلالة حتى نحكّمها إلى الفهم، من هنا يكون التأثير الفلسفي على الموسيقى ليس تأثيراً في جوهر المجال، وإنما بالإيحاء إلى تماسّ المنتج الموسيقي مع المنجزات الفلسفية القائمة.

مثلاً؛ بقيت «الموسيقى الكلاسيكية» ضمن التهم الطبقية مع صعود الماركسية، وانتهتْ لأن تكون وجبة شعبية تعمل في المحالّ وأماكن الترفيه. حُمّلت الموسيقى خطأ الأفكار، وباتت مشجباً لانهيار النظريات الكبرى.

استمرت الموسيقى متمسّكة باستقلاليتها، ومتعايشة مع تأثّرها بالفضاءات الفلسفية، وما كان تأثراً دلالياً، وإنما هو التأثير الذي يمنح الموسيقى قدرتها على الممانعة ضد تدجينها؛ سواء ضمن «الاتهام الشيوعي» أو أي ادعاءات أخرى، ولا يمكن لمطرقة النضال أن تهشّم بيت الموسيقى العتيد.

لم تكن الفنون يوماً منعزلة عن حلقات النقاش أو صرعات النظرية أو غليان التأويل، كانت حاضرة ومحايثة؛ بل سابقة في كثير من الأحايين، وآية ذلك أن الموسيقى ارتبطت بالتحولات البشرية، فهي تتفاعل مع المحيط وتأخذ منه وتعطيه، ذلك أن الفنون إجمالاً، والموسيقى تحديداً، لا تلبث أن تخاتل النظرية. ولو تأملنا في سير الحضارات وشرر النظريات، لوجدنا أن الموسيقى إما أن تسبق التحول، وإما أن تحايثه، وإما أن تتبعه، فهي منفعلة بالتحول وفاعلة له، والأمم التي تأسست تحولاتها ضمن فضاء الموسيقى استطاعت أن تفتتح مشروعاً أبدياً لتأميم الموسيقى وجعلها لغة سائدة بين المجتمعات، من هنا يكون العالم عبثاً من دون موسيقى، أو غلطة كما هو تعبير نيتشه الشهير.

يشكو الراحل الكبير فؤاد زكريا من عدم وجود موسيقى عربية بينما غرقنا بالأغنية العربية. والأغنية لا ترتبط بالفضاء الموسيقي بالمعنى الرحب؛ بل تتحول الأصوات إلى جيشٍ من الخدم للكلمات، من هنا صارت حتى موسيقانا شعرية. طغت الأغنية على الموسيقى في الحال العربية. والموسيقيون العرب هم بمعنًى ما جزء من حال «الشعرنة»؛ إذ يرتبطون بالألحان والكلمات، غير أن نماذج التكوين الموسيقي على الطراز الغربي لم تكن سائدة عربياً، ذلك أن الفضاء الموسيقي فضاء شعري وكلاميّ. من هنا يأتي النقص في القدرة الموسيقية العربية على مستوى التأليف الرحب، ليطغى التكوين الشعري، أو تحويل صراعات الموسيقى لتكون خادمة للأشعار، ومن ثمّ تخلق الأغنية.

قبل أيام اطَّلعتُ على قراءة مهمة لكتاب بعنوان: «سوسيولوجيا الفن طرق للرؤية» وهو مؤلَّفٌ مشترك بين كل من ديفيد إنغليز، وجون هغسون، وترجَمَتْه ليلى الموسوي، وعرضَ فحواه إدريس الغياتي في قراءة موسعة.

مما تضمّنه الكتاب، أن: «مفهوم الفن والأشكال المرادفة له لم تكن موجودة بالطريقة نفسها قبل بضعة قرون، ويظهر أن الفهم الحديث للفن هو نتاج تطور تاريخي في الفكر الإنساني».

ثم يقول في عرضه للكتاب إنه فيما يخصّ الأغاني الشعبية القديمة «فإنَّ ثمة تفسيراً تقليدياً يعتبرها مجردَ أغانٍ تُغنَّى في المناسبات الاجتماعية التقليدية، بينما في التفسير السوسيولوجي يتم تفسيرها كوسيلة لنقل التراث الشعبي، والتعبير عن تجارب المجتمع في زمانه».

ويضيف أن: «إنغليز لا يقف عند حدود استعراض مفهوم الفن والكشف عن تاريخه؛ بل يذهب أيضاً إلى دراسة مفهوم الفنان، بحيث يشير الكاتب إلى أنه في مجتمع ما، يُعرّف الفنان بوصفه شخصاً تستحق أعماله الاعتناء بها، حتى مئات السنين. ويشير أيضاً إنغليز إلى أنه من شأن تصنيف الشخص كفنان في مجتمع ما، إضفاء عدد من المميزات عليه، مثل نوع معين من السلطة أو المكانة الاجتماعية».

الخلاصة: إن الموسيقى جزء من تكوين المجتمع الأساسي، وهذا ما تؤكده النظريات الفلسفية والاجتماعية، فكما نفهم أي مجتمعٍ عبر شعره ورواياته وقصصه؛ فإن الموسيقى أهم شارحٍ للمجتمعات بكل أساطيرها وتنوّعها وخيالاتها ومشاعرها الذاتية وحيويّتها الدنيوية، وهذا ما نشهده الآن في التطوّر الموسيقي المتميز في الإقليم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد