تتوالى بين ساعة وأخرى احتمالات الحرب واحتمالات التفاوض، في النزاع الخطير بين الحلف الأميركي- الإسرائيلي ومحور إيران وأذرعها في المنطقة، مع ترجيح كفة الحل العسكري، المفاجئ -على الأرجح- في توقيته، وخصوصاً في طبيعته. ومن الفرضيات الكثيرة، المتعذّر إثباتها، أنّ تأخير الحرب مرتبط بتقنيات عسكرية متقدمة أولتها الصين لإيران، يدرس الغرب كيفية تجاوزها.
سواء صحّ هذا الاحتمال أو لم يصحّ، فمجرّد طرحه بالغ الدلالة على مجموعة كبرى من التحوّلات والهواجس المتفاقمة في الزمن الراهن. إنها «الظلال الآسيوية» الممتدّة أكثر فأكثر فوق الوضع الدولي، وهي الصحوة التكنولوجية المذهلة التي حققها عدد من مجتمعات آسيا خلال فترة وجيزة لا تتجاوز النصف قرن، في خطّ تصاعدي ثابت، بات يشكّل مُعطى استراتيجياً رئيسياً.
طالما كان العالم منقسماً بين المجتمعات الصناعية من جهة، والمجتمعات «النامية» أو مجتمعات «العالم الثالث» من جهة أخرى. وكان الاعتقاد السائد على الدوام بأنه من الصعوبة بمكان انتقال مجتمع ما من العالم «النامي» إلى العالم الصناعي. مع أن الأنثروبولوجيا التطورية في القرن التاسع عشر كانت ترى أن كافة المجتمعات -حتى الأكثر تخلّفاً- ستصل في نهاية المطاف ولو بسرعات متفاوتة إلى محاكاة «النموذج الأوروبي» الذي هو «النموذج المثال»، وأنه لا مفرّ من هذه الحتمية التاريخية.
ولكن الأنثروبولوجيا الحديثة تخلّت عن هذه الرؤية التطوّرية منذ مستهل القرن العشرين، فلم يعد «النموذج الأوروبي» مثالاً أعلى، وحلّ محلّه احترام هويات المجتمعات المختلفة، ومساراتها الخاصة في التطوّر والتحوّل.
لكن استثناءً واحداً، آسيوياً، برز، هو الاستثناء الياباني. فمنذ انطلق «عهد مايجي» عام 1868، وما حمل معه من إصلاحات وتحولات عميقة، لحقت اليابان خلال نحو أربعين عاماً فقط بالركب الصناعي الأوروبي. في مهبّ هذا التحوّل هزمت اليابان الصين عسكرياً أواخر القرن التاسع عشر، ثم هزمت روسيا القيصرية مطلع القرن العشرين. ولكن الاستثناء الياباني الصاعد، الآتي من خارج العالم الأوروبي، بقي طويلاً حالة وحيدة فريدة، وما يشبه اللغز المجتمعي والثقافي في التاريخ الحديث.
حين ننظر إلى حروب الشرق الأوسط خلال العامين الأخيرين، منذ هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى اليوم، نجد أنه منذ أكثر من أربعة قرون على النهضة الأوروبية الكبرى، ما زال الغرب، في صيغته الأوروبية البحتة أولاً، ثم الأميركية- الأوروبية تالياً، هو القوة العظمى في العالم. فقد كان على إيران وأذرعها خوض المواجهة العسكرية الصعبة من دون أن ينجدها حلفاؤها «الشرقيون».
لكن على الرغم من استمرارية التفوّق الغربي، فالصورة الدولية واحتمالات تطورها باتت أكثر غموضاً وتعقيداً. ندرك ضخامة التحوّلات الديموغرافية. كيف أن دولاً مثل الصين والهند باتت تضمّ كلّ منها ملياراً ونصف مليار نسمة، وأن دولاً كثيرة قاربت أو تخطّت المائة مليون، منها تركيا وإيران ومصر. بينما يشهد «العالم الأوروبي» أزمة ديموغرافية خطيرة، بين مجتمعات يراوح تعدادها مكانه من زمان، وأخرى يتراجع عدد سكانها أكثر فأكثر، ليس أقلّها ألمانيا وروسيا. وتعاظمُ الكمّي نتجت وتنتج عنه تحوّلات نوعية لافتة، مثل تنامي القدرات العسكرية الإيرانية والتركية وغيرها.
لكن التحوّلات النوعيّة الكبرى تأتي من مكان آخر: من المجتمعات الآسيوية. فالاستثناء الياباني الذي بقي طويلاً جداً فريداً من نوعه، لم يعد كذلك. لقد لحقت به -فيما لحقت- كوريا الجنوبية، وسنغافورة، وتايوان، والهند، وخصوصاً الصين. وعلى غرار النموذج الياباني، استطاعت هذه المجتمعات الآسيوية استيعاب التكنولوجيات الغربية وامتلاكها مع تطبيقاتها خلال نحو نصف قرن. وهنا يكمن «اللغز الآسيوي». كيف استطاعت هذه المجتمعات الانتقال خلال فترة وجيزة من حال التخلف المدقع إلى امتلاك التكنولوجيات الصناعية وتطبيقاتها الأكثر تطوراً؟
الأشدّ غرابة في ذلك أن هذه الدول الآسيوية لم تمرّ بالتحولات المجتمعية الضخمة التي عرفتها أوروبا طوال قرون لتصل إلى ذروتها التكنولوجية. هي لم تشهد ما عاشته أوروبا من نهضة ثقافية وفنية، وفكر تنويري، وثورة صناعية أولى، وثورة فردية وثورة علمية وثورة ديمقراطية، ومن تحوّل شامل في المفاهيم والقيم، لتصل إلى امتلاك التكنولوجيات في نهاية المطاف.
يبدو اللغز الآسيوي تطوراً متسارعاً وحيد الجانب نحو هدف واحد، أتاحته خصوصية التراثات الروحية والعقلية والشعورية والسلوكية لهذه الشعوب، وطبيعة نظرتها إلى الحياة البشرية وإلى الكون. وهو يتطلّب توقفاً طويلاً عنده، والكثير من التأمّل والتقصي والتحليل.

