: آخر تحديث

سوريا والسوريون أمام استحقاقات وتحديات كبيرة

4
4
3

عاش السوريون ظروفاً شديدة الصعوبة طوال العقد ونصف العقد الماضيين. فبعد الأمل الذي داعب السوريين في انطلاق ثورتهم، وإسقاط نظام الأسد سريعاً، على غرار ما حدث في عدد من البلدان العربية، انتقلوا نحو مواجهة مصيرية متعددة الأبعاد، عندما اختار النظام الحل العسكري-الأمني عبر استخدام القوة والعنف إلى أبعد الحدود، وهو سلوك لم يفتح الباب إلى قتل وجرح وملاحقة السوريين وتدميرهم فقط، إنما عطل كل مظاهر الحياة، فتوقفت الأعمال جزئياً أو كلياً في مختلف قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي والحرفي، كما في قطاع الخدمات من سياحة وتجارة وتعليم وصحة ومواصلات واتصالات... ثم زاد إلى توقف الأعمال تدمير كل ما تم الوصول إليه من منشآت ومؤسسات، وجرى نهب وسرقة وتعفيش ما وصلت إليه أيدي قوات النظام وأنصاره، وشاركهم بعض الحالات محسوبون على «الثورة»، ولا سيما بعض الجماعات المسلحة باعتبار مؤسسات الدولة وممتلكات الخصوم «غنائم حرب»، ومثلما عمَّ الخراب والدمار عمّت الفوضى.

ولا يحتاج إلى تأكيد أن تعميم الخراب عبر القتل ودمار العمران والأعمال ومعهما تعميم الفوضى، لا يقود إلى اتساع معاناة الناس وعدم قدرتهم على توفير احتياجاتهم الأساسية فقط، بل يبدل أنماط سلوكهم وعلاقاتهم واحتياجاتهم. وهكذا ذهب كثير ممن تعطلت أعمالهم إلى تغيير حياتهم وحياة أسرهم، واتَّجه البعض إلى الانضواء في جماعات مسلحة تتبع الأطراف المتقاتلة، وانتقل كثيرون من أماكن إقامتهم إلى البلدات والمدن التي ينتمون إليها، والذين تقطعت سبل الحياة بهم انتقلوا إلى أماكن أخرى أملوا أنهم سيجدون فيها مكاناً للكسب والعيش الآمن، والبعض وجد في اللجوء إلى المخيمات، ولو مؤقتاً، حلاً لما صار إليه وضعه من صعوبات، وأغلب هؤلاء، إن لم يكن كلهم، تعطلت دراسة أولادهم، وتردت صحتهم الجسدية والنفسية.

وباستثناء هؤلاء، فإنَّ نحو نصف سكان سوريا غادروها وسط ظروف وشروط شديدة الصعوبة من خوف وتشتت وفقر نحو بلاد الجوار، ليصيروا فيها مقيمين ولاجئين، قبل أن ينطلق بعض منهم إلى بلدان لجوء أبعد، في رحلات مكلفة وغير آمنة بحثاً عن فرصة عيش مؤقتة أو دائمة، وسط ظروف يتصاعد ترديها وصعوبات العيش في ظلالها، بالتوازي مع غياب أي أمل في حل ممكن، أو إجراءات توقف تدهور أوضاع السوريين، بل كان التدهور يتزايد مثل كرة ثلج تندفع في وادٍ عميق.

صار همُّ السوريين استمرار العيش بما أمكن. أضاع الناس بوصلة الحياة. آباء وأمهات تركوا أطفالهم وأهاليهم في الطريق، وتجاهل كثيرون مصاير كبارهم ومرضاهم في إطار تفكك العلاقات الأسرية، وانهارت سلاسل من القيم والمعتقدات، وتبدلت سبل العيش والعلاقات على أمل نجاة، ولو مؤقتة، من الموت أو مما هو أصعب منه في حياة ذل الحاجة، وسيطرة النافذين والأقوياء وتجار الحرب، وفقدان الأمل... وكلها تكرست وسط خراب السياسة وفوضى السلاح والتدخلات الخارجية.

عندما سقط نظام الأسد بيسر وسلاسة لم يكن أحد يتوقعها، استرد السوريون أنفاسهم، وشاع الأمل إلى مداه، وذهبت التطلعات إلى الأبعد دون النظر إلى ما هو قائم، ودون تدقيق في ظروف وقدرات السلطة الجديدة، وما تركته سنوات الحرب، وما ارتكبه النظام السابق وحلفاؤه من جرائم ظاهرة ومخبأة. وللحق، فإنَّ السوريين وجدوا في كلمات وإعلانات النظام الجديد وقادته، وفي الحراك الدولي والإقليمي المتصل بسوريا، ما يمكن الاتكاء عليه في دعم طموحاتهم وأحلامهم.

الآن تذهب حياة السوريين في اتجاهات مختلفة بعضها إيجابي، وبعضها سلبي، وبين الحالتين اندرجت حالات وحالات، تراوحت بين الحدين في مقاربة أحلام ومطالب السوريين البسيطة في نوسان جعلها بين المطالب والمساعي، بدل أن تكون في إطار ما تم إنجازه.

أحلام السوريين البسيطة، التي تؤدي إلى تطبيع حياتهم وانتقالهم نحو الأفضل، تتلخص في نقاط تمثل مطالبَ عامة لكل السوريين، تبدأ من الأمن والاستقرار الذي يستحيل من دونه القيام بأي جهد إيجابي، ولا شك أن الأمن والاستقرار يفرض وجود قانون عادل يحمي السوريين وحقوقهم، يحترمه الجميع ويخضعون له دون تردد، ويريد السوريون سكناً يعيدهم من بلدان اللجوء ومن المخيمات المتهالكة إلى بيوتهم، حتى لو كانت مدمرة، ولو دفع القادرون منهم للمساهمة الممكنة في ترميم ما أمكن من تلك البيوت، ويسعى السوريون إلى خدمات صحية مستدامة ولو متواضعة، توفر الحدود الدنيا في تأمين فرص الحياة لأطفالهم، وتعالج مرضاهم، ويأملون أن تتوفر لهم فرص عمل منتجة تغنيهم عن طلب أو انتظار المساعدات، ولعل الأهم في أحلام السوريين أنهم يريدون أن يذهب أولادهم إلى التعليم، وأن يكون التعليم أساسياً وصحياً وصحيحاً؛ لأن التعليم يرسم مستقبل البلد، وهو إلى جانب تحقيق الأحلام البسيطة سيضع سوريا والسوريين أمام الاستحقاقات والتحديات الكبيرة المتضمنة إعادة الإعمار، التي لا تعني كما يفهمها البعض مجرد أبنية سكنية وأخرى للخدمات وطرق... إنما هي تجسيد لمفهوم أوسع يشمل استنهاض عمل مؤسسات الدولة والمجتمع، وإقامة ربط موضوعي بينهما، بما يضمن إعادة بناء الاقتصاد الوطني، وتوفير حياة أفضل للسوريين؛ حياة فيها حرية وكرامة وعدالة ومساواة ومشاركة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد