عبدالعزيز التميمي
هناك فنانون نعرفهم من خلال لوحاتهم ومعارضهم، وهناك فنانون نعرفهم من خلال رحلة طويلة من الصداقة والذكريات والمواقف، فنرى في أعمالهم ما لا تراه العين العابرة، لأن وراء كل لوحة حكاية، ووراء كل تحول فني سنوات من التجربة والتأمل والبحث. والفنان الإماراتي الكبير عبدالقادر الريس، الذي أعتز بصداقته منذ عام 1968 وحتى اليوم، ينتمي إلى الفئة الثانية في حياتي؛ فهو ليس مجرد فنان أتابع تجربته، بل رفيق بدايات وذاكرة مشتركة امتدت عبر عقود من الزمن.
من الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية بدأت الحكاية
تعود علاقتي بأبي مصعب، عبدالقادر الريس، إلى عام 1968، حين كنا طالبين تجمعنا محبة الفن وشغف التجربة، وكانت لقاءاتنا في الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية بمنطقة القبلة، في الموقع الذي يقوم فيه اليوم مجلس الأمة الكويتي.
كانت تلك السنوات مرحلة تتفتح فيها الأحلام، وتتكون فيها ملامح الشخصية الفنية، وتكبر فيها الرغبة في اكتشاف أسرار اللون والخط والتكوين. لم تكن لقاءاتنا مجرد اجتماعات عابرة، بل كانت جزءاً من مناخ ثقافي وإنساني جمع محبي الفن، ومنحنا فرصة الاقتراب من عالم اللوحة بكل ما يحمله من أسئلة وطموحات.
ومنذ ذلك الوقت، لم تنقطع علاقتنا؛ بل استمرت حتى يومنا هذا، شاهدة على أن الصداقة الحقيقية لا تُقاس بعدد اللقاءات وحدها، وإنما بما يحفظه الزمن من مودة واحترام وتقدير متبادل.
وحين أكتب اليوم عن عبدالقادر الريس، فإنني أكتب من موقع الصديق الذي عرف البدايات، ومن موقع الفنان الذي يدرك أن التجربة الإبداعية لا تتشكل دفعة واحدة، بل تنمو عبر الممارسة والتأمل والتجريب، وتتغير مع تغير رؤية الفنان للحياة والإنسان والمكان.
عين تلتقط روح المكان لا مظهره فحسب
يمتلك عبدالقادر الريس، حساسية بصرية خاصة في التعامل مع البيئة المحلية. فهو لا يتوقف عند نقل المشهد كما تراه العين، بل يبحث عن العلاقات التي تمنحه هويته: علاقة البناء بالأرض، والحجر بالضوء، والنخلة بفضائها، والبيت بذاكرة ساكنيه.
وقد تجلت هذه القدرة في أعماله التي استلهمت العمارة الإماراتية القديمة والمشهد الطبيعي، حيث تتحول البيوت والأزقة والأبواب والنخيل إلى مفردات تشكيلية تحمل دلالات تتجاوز وظيفتها المادية.
ولعل أبرز ما يلفت النظر في تجربته قدرته على جعل المكان ذاكرة مرئية. فالمبنى القديم عنده ليس كتلة صامتة، والحجر ليس مجرد مساحة لونية، والنافذة أو الباب ليسا تفصيلين معماريين فحسب؛ بل عناصر تستحضر حياة الناس وعلاقتهم ببيئتهم، وتمنح المشهد بعداً وجدانياً.
وهنا تتجلى إحدى قدراته الفنية المهمة: تحويل المألوف إلى موضوع يستحق التأمل، ومنح التفاصيل البسيطة قيمة جمالية لا تتكشف إلا من خلال عين تعرف كيف ترى.
الضوء والظل... هندسة الإحساس
ومن خلال تأملي في أعماله، ومنها اللوحة التي تتوسطها بوابة خشبية قديمة تنفتح على فضاء مضاء تتقدم فيه أشجار النخيل، أجد أن العلاقة بين الضوء والظل تشكل عنصراً أساسياً في بناء المشهد.
فالمدخل الحجري المعتم في المقدمة يقابل الامتداد المضيء في الخارج، والباب الثقيل بما يحمله من آثار الزمن يقف بين عالمين: عالم داخلي تسكنه الذاكرة، وعالم خارجي يتنفس الضوء والحياة.
ولا تقتصر أهمية هذا التكوين على إظهار العمق والمنظور، بل تمتد إلى بناء إحساس نفسي لدى المتلقي؛ إذ يجد نفسه واقفاً عند عتبة مكان قديم، يتطلع إلى ما وراءه، وكأنه يستعيد زمناً عاشه أو سمع حكايته.
أما اللون، فيتوزع بين درجات الحجر الترابية، والبني المتدرج في الخشب، والظلال الباردة نسبياً، والضوء الذهبي الذي يغمر الخارج. وهذا التباين يمنح اللوحة توازناً بين ثقل الكتلة وخفة الفضاء، وبين صلابة العمارة ورهافة الإحساس.
إن هذه القدرة على تنظيم العلاقات البصرية، واستخدام الضوء بوصفه عنصراً بنائياً وتعبيرياً في آن واحد، تكشف عن فهم للوحة يتجاوز التسجيل المباشر إلى صناعة تجربة بصرية متكاملة.
من الانطباعية إلى التجريد... رحلة البحث عن لغة خاصة
لا يمكن قراءة تجربة عبدالقادر الريس، من خلال أسلوب واحد أو مرحلة منفصلة عن غيرها. فمسيرته، التي امتدت لأكثر من خمسة عقود، شهدت انتقالات وتطورات في طريقة تناول الموضوع، وفي طبيعة العلاقة بين الشكل واللون والخط والمساحة.
في أعماله ذات النزعة الانطباعية، نجد اهتماماً بالضوء والجو العام للمشهد، وبالقدرة على التقاط روح المكان من خلال اللون واللمسة. وفي أعمال أخرى، تتجه الرؤية نحو الاختزال والتجريد، فتتراجع التفاصيل الوصفية لمصلحة البناء الهندسي والعلاقات بين المساحات والأشكال.
أما الحروف العربية، فقد أصبحت في جانب من تجربته عنصراً بصرياً قائماً بذاته، لا يؤدي وظيفة القراءة وحدها، بل يشارك في تشكيل الإيقاع والكتلة والحركة داخل اللوحة. وهكذا يلتقي التراث اللغوي والجمالي مع الحساسية التشكيلية الحديثة، في صياغة تستمد جذورها من الثقافة العربية، لكنها لا تتوقف عند حدود الاستعادة التقليدية.
وتبرز في هذه المسيرة أيضاً عنايته بالتكوين الهندسي وبالمربعات والأشكال المتكررة، التي تمنح بعض أعماله نظاماً بصرياً واضحاً، وتتيح له بناء علاقة بين انتظام الشكل وحرية التعبير.
إن القدرة على الانتقال بين هذه المسارات، مع الاحتفاظ بصلته بالمكان والهوية، تدل على أن الفنان لم يكتفِ بتكرار نجاحاته الأولى، بل ظل يعيد النظر في أدواته ومفرداته، ويبحث عن إمكانات جديدة للتعبير.
«النايد»... استعادة مسيرة وفتح نافذة على تطورها
وقد أتاح لي معرض «النايد» (Al Nayed)، الذي شاهدت أعماله في أوبرا جاليري بدبي، فرصة جديدة للتأمل في اتساع تجربة عبدالقادر الريس وتنوع مساراتها.
فالمعرض الاستعادي، المقام من 8 إلى 25 أكتوبر 2026، يقدم قراءة لمسيرة فنية تجاوزت خمسة عقود، ويجمع بين مراحل مبكرة ذات نزعة انطباعية، وأعمال تتصل بالخط العربي، وأخرى تقوم على التجريد والهندسة، إلى جانب أعمال مائية تكشف عن حساسية مختلفة في التعامل مع الخامة والشفافية.
وتكمن أهمية هذا الاستعراض في أنه لا يعرض مجموعة من اللوحات الناجحة فحسب، بل يتيح النظر إلى تجربة تتغير أدواتها وتبقى منشغلة بأسئلة المكان والذاكرة والهوية. كما يكشف عن تنوع قدرة الفنان على التعامل مع الخامات والموضوعات، من تفاصيل الطبيعة والعمارة إلى العلاقات التجريدية بين اللون والشكل.
وهذه، في رأيي، إحدى علامات النضج الفني: ألا يكون الفنان أسير وسيلة واحدة، وأن يمتلك من الوعي بأدواته ما يسمح له باختيار اللغة التي تناسب كل تجربة.
عبدالقادر الريس، ليس مجرد اسم بارز في تاريخ الفن الإماراتي الحديث؛ إنه فنان بنى على امتداد سنوات طويلة لغة تشكيلية تتفاعل مع تراث المكان، وتستفيد من إمكانات الانطباعية والتجريد والخط العربي، وتعيد صياغة مفردات البيئة ضمن رؤية معاصرة.
أما بالنسبة إليّ، فستبقى صورته مرتبطة بتلك البدايات التي جمعتنا في الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية عام 1968، وبالصداقة التي استمرت منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا.
وإذا كانت اللوحات تحفظ ذاكرة الأمكنة، فإن الصداقة تحفظ ذاكرة الإنسان. وبين هاتين الذاكرتين أجد الحكاية التي أردت أن أرويها عن صديقي الفنان عبدالقادر الريس: حكاية فنان ظل يبحث عن لغته، وصداقة ظل الزمن يزيدها عمقاً، وشهادة أكتبها اليوم تقديراً لمسيرة أتابعها بمحبة واحترام، منذ البدايات وحتى الحاضر.

