ذكرتني تصريحاته بتجربة شخصية سبق أن مررت بها قبل أربعين عاما، وربما كتبت عنها قبل سنوات. ففي الثمانينيات كنت أقيم في لندن، وأمتلك مع آخرين، وأدير أكثر من شركة، في أنشطة عدة أهمها العقار، وكانت مكاتبنا قريبة من فندق تشرشل، وتحديداً في السكن الخاص السابق لعائلة بورتمان الثرية، التي لا تزال تمتلك كل العقارات المحيطة بالساحة التي تحمل اسم العائلة. كان المبنى مكوناً من أربعة طوابق، وكنت والصديق الراحل «يعقوب الغنيم»، نشغل الطابق الأرضي منها، ونقوم باستثمار بقية الطوابق الأخرى لحسابنا.
في أحد الأيام طلب أحد مستأجري مكاتب المبنى مقابلتي، وعندما حضر اشتكى من عدم توافر ورق التواليت والصابون في حمامات الشركة، فقلت له إنني كنت خارج بريطانيا، وربما أهملت شركة النظافة في الأمر خلال غيابي. أخبرت الشاكي، مستر غولد، بغرض المباهاة، بأننا رجال أعمال جادون وجئنا لبريطانيا، كمستثمرين، وأسسنا شركات تبلغ رؤوس أموالها ثلاثة ملايين جنيه. اعتذر مستر غولد، وقال إنه لم يقصد أبداً إهانتي، أو التشكيك في جديتي.
بعدها بأسبوع أو أكثر حضر مفتش «القيمة المضافة»، VAT لمراجعة سجلاتنا ومدى التزامنا بدفع المستحق علينا، فكررت عليه بأننا رجال أعمال جادون، وشركتنا عقارية، ويبلغ رأسمالها ثلاثة ملايين جنيه، وأن تلك الضريبة لا تشملنا، فغادر راضياً. وقبل نهاية الشهر زارنا مفتش الضرائب العام، فكررت عليه الكلام نفسه، ووضعت بتصرفه كل السجلات المحاسبية، ولحسن الحظ لم يمد يده لفتحها، واكتفى بتناول قهوته، وغادر المكتب وهو يقول إنه سيعود لنا في بداية السنة الجديدة.
بعدها بأسابيع تقرر عقد جمعية عمومية للشركة، ووصل الشركاء إلى لندن، لحضور الاجتماع، وغالبيتهم من «الكوايتة»، فطلبت من محاسب الشركة، اليهودي فيليب، أن يقوم بتحضير الميزانية السنوية، وبقية التقارير، ويضعها على مكتبي، لمراجعتها، بعد عودتي من الغداء.
كانت الساعة قد قاربت الخامسة مساءً عندما صدمت باكتشاف خطأ فادح في ميزانية الشركة، حيث ورد أن رأسمال الشركة «ج» يبلغ مليوناً ونصف المليون وليس ثلاثة ملايين جنيه. فقمت من فوري، ودون تفكير بالاتصال بالمحاسب، فلم يرد، فاتصلت بزوجته، وطلبت التحدث معه، لأمر مهم، فقالت: إن ستيف يهودي ملتزم، ويحرم لمس الهاتف مع دخول السبت، مع غروب شمس الجمعة. بينت لها المشكلة وطلبت منها التحدث معه وأن تأتيني بالجواب.
بعد نصف ساعة اتصلت زوجته، وبينت، باختصار حصة كل شريك، وأن رأسمال الشركة هو مليون ونصف المليون وليس ثلاثة ملايين ()
اكتشفت خطئي الفادح، الذي كان سيورطني مع مفتش الضرائب. ففي محاولة لإضفاء الجدية والاحترام على عمل الشركة، ادعيت، وغالباً من غير قصد، للمستأجر في البناية، ومفتش الـVAT وأخيراً لمفتش الضرائب، بأننا مستثمرون جادون، وكررت ذكر الرقم «ثلاثة ملايين»، للتأثير فيهم، ويبدو أنني صدقت كذبتي، وكان من الممكن أن أجد نفسي في موقف حرج، لو طلب أي من المفتشين الاطلاع على سجلات الشركة.
ربما وجد صاحبنا المستشار نفسه في نفس موقفي. فقد أطلق على نفسه، وغالباً بحسن نية، لقباً وإن كان قاضياً، وغالباً ليخلق انطباعاً جيداً لمن يستمعون له، ومع تكرار مقولته صدق نفسه، كما سبق أن صدقت مقولة الثلاثة ملايين، قبل أربعين عاماً. فيا عزيزي المستشار(!!) من ساواك بنفسه ما ظلم.
أحمد الصراف

