: آخر تحديث

السنباطي.. مدرسة متفردة على مر الأزمان.. ولحن سخي كفرط من جمان

5
4
4

ناهد الأغا

لطالما كانت رصانته الصارمة تاج شخصيته؛ مما انعكس كالمرآة على أعماله سيما في تلحين القصيدة العربية..

كالمعمار الذي تفرد في اسلوبه في تنسيق خطوطه على الورق بأكاديمية رفيعة المستوى..

وانتقل ليبنيها برجا شاهقا متكامل الوظائف وواقعا ملموسا ينتزع دهشة الناظر الى واجهاته البديعة عنوة..

ذاك هو رياض السنباطي الذي خط بريشة عوده ألحانا خالدة رسمها بثقة الموسيقي العبقري المتشربة بشخصيته التي تجذب بكاريزمتها الإستثنائية كل من سمع عزف أوتاره..

ثقة.. لايساورها أدنى شك في الإمكانيات التي تبلغ المدى نسق لوحاته..

وبطموح يزاحم السحاب قدم السنباطي تحفه الموسيقية التي حق لها أن تتفوق على أشهر السمفونيات العالمية..

كيف لا..؟! وهو عراب الملحنين وشيخهم وإمامهم..

أضف أنه عاشق حتى النخاع للغته العربية الفصحى ومنغمس بحبها إلى أقصى الحدود..

وهو المتقدم على الجميع في تلحين القصيدة بل هو خير من لحن القصيدة..

والسنباطي الذي ولد في 30 نوفمبر من عام 1906..

ورحل في 9 سبتمبر عام 1981..

كانت حياته ثرية جداً بسجل حافل بالإبداع فهو يستحق أن يقال عنه طفرة العمالقة..

اقترن اسمه بكوكب الشرق سيدة الغناء العربي أم كلثوم؛ حيث أبدع إبداعا منقطع النظير بتلحين القصائد التي جادت بها حنجرتها الذهبية فله الفضل بعد الله في إبراز جمال صوتها وجعله أكثر سحرا وعذوبة.. لأن اللحن هو الداعم الأول لإظهار قيمة الصوت وتقييمه..

فما بالك عندما يكون قد صنع بأنامل عملاق تفرد بصناعة لوحات موسيقية تقطر بهاء وكانت المقامات طوع بنانه يصوغها بمهارة عز على غالبية أبناء جيله وما تلاه بلوغ درجتها..

ولعل البيئة الحاضنة التي نشأ فيها رياض السنباطي وترعرع في أرجائها كانت العامل الأساس في صنع موهبته الفذة.

فقد ولد لأب فنان تتلمذ على يديه بنهل مبادئ الموسيقا والعزف على العود حيث احتوى بحنو الأب العطوف شغفه بالموسيقا وعمل على رعايتها بكل اهتمام وشجعه على الدخول في عالم الفن في حين كان الكثير ممن عاصروه قد رفض اهلوهم امتهان تلك المهنة والولوج في ذاك العالم.

تأثر السنباطي في بداياته بألحان أستاذه ومعلمه العملاق محمد القصبجي ثم مالبث أن أصبح له فيما بعد نهجه الخاص والاستثنائي في صناعة الألحان التي ميزت مدرسته وأعلت من شأنه.

وهذا العلو في الشأن جاء متوافقا بعد أن صقل موهبته الموسيقية في بداياتها في معهد الموسيقا العربية الأكاديمي مما ذلل له العقبات وسهل له الإتصال بالمطربين الذين عرض عليهم ألحانه الرائعة وكانت تلك الخطوة أولى صعوده على سلم النجاح والإبداع..

فلمع نجمه وذاع صيته وهذا ماجعل كوكب الشرق أم كلثوم تتصل به ليلحن لها ويردف قصائد أغانيها بأعذب الألحان.

وقد بلغ عدد ألحان رياض السنباطي لأم كلثوم وعلى مدى أربعة عقود أكثر من 90 أغنية حيث حقق المركز الأول بين الملحنين الذين لحنوا لها..

وكانت البداية منذ عام 1936 حتى عام 1972 وقد شكل السنباطي برفقة أم كلثوم وأحمد رامي ثلاثي الإبداع المتفرد الذي بلغ القمة بتقديم أثرى نتاج موسيقي فني جابت شهرته الآفاق وحرك مشاعر ملايين الناس في العالم العربي والعالم ككل..

وعلى سبيل المثال لا الحصر نورد أروع مالحن السنباطي لأم كلثوم من الأغاني:

أراك عصي الدمع.. أروح لمين.. أقبل الليل.. أقول لك ايه عن الشوق... الأطلال.. الحب كده.. ثورة الشك.. جددت حبك ليه.. حسيبك للزمن.. حيرت قلبي معاك.. دليلي احتار.. ذكريات.. رباعيات الخيام..سلوا قلبي.. سهران لوحدي.. شمس الأصيل.. عودت عيني على رؤياك.. غلبت أصالح في روحي.. قصة الأمس.. لسه فاكر.

كما لحن السنباطي للكثير من سلاطين الطرب منهم:

صالح عبد الحي؛ محمد عبد المطلب؛ أسمهان؛ فايزة أحمد؛ سعاد محمد؛ وردة؛ نجاة؛ وعزيزة جلال.

صنفه المجلس الدولي للموسيقى في العاصمة الفرنسية باريس ضمن أفضل 100 موسيقي في العالم وكرمته اليونسكو بجائزتها كأحد خمسة علماء موسيقيين في العالم وأطلق عليه لقب «أمير النغم» كما حظي بجوائز تكريمية كثيرة يصعب حصرها..

وبين ثنايا هذا المقال الميمون يستوقفني قول رائع للسنباطي يقول فيه:

«الشعر أرقى أنواع الأدب؛ لذلك وجب عليك أن تكرس له أرقى أنواع التلحين»

السنباطي هو الموسيقي المتفرد بإبداعه وعبقريته وتبقى ألحانه خالدة بالذاكرة وباقية سفرا خالدا في آذان كل متذوق للجمال، ويمتلك إحساسا مرهفا وعمقا وجدانيا عذبا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد