: آخر تحديث

شجرة في البيت الأبيض لها تاريخ

6
5
6

سليمان جودة

كل الذين دخلوا البيت الأبيض أو مروا من أمامه، لم يكونوا ينتبهون إلى أن داخله شجرة يقترب عمرها من الـ 200 عام. الجديد الذي أعلنه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن هذه الشجرة سوف تُزال، وأن شجرة جديدة ستتم زراعتها في مكانها، وأن الموظفين المعنيين في البيت الأبيض، سوف يعتنون بأخشاب الشجرة القديمة، وسيستخدمونها في أهداف نبيلة، على حد تعبيره، وهو يتحدث في الموضوع على منصته الاجتماعية الخاصة.

وهو لم يذكر ما تلك الأهداف النبيلة التي سيجري استخدام أخشاب الشجرة فيها، ولكن حديثه عن الشجرة، يكشف عن اهتمام بها، وعن احترام لها، ويكشف أكثر عن أن مثل هذا الاحترام أو الاهتمام، جزء من ثقافة عامة في الغرب عموماً تجاه الأشجار، وتجاه كل ما هو أخضر مما يخرج من الأرض.

ومما ذكره ساكن البيت الأبيض، أن وجود الشجرة في مكانها عند مدخل البيت الأبيض، يشكل خطورة على السلامة. وهو لم يشرح كيف تشكل الشجرة الآن خطورة على السلامة، بينما لم تشكل الخطورة نفسها على مدى ما يقرب من القرنين، هما تقريباً عمر الشجرة.. لم يذكر شيئاً.. ولكن بما أن المسألة لها علاقة بالسلامة وبالخطورة عليها، وبالأمن، بالتالي، في الإجمال، فلا بدّ أن في الأمر تفاصيل أخرى لم يذكرها ترامب، لأسباب مفهومة. وكان لا بدّ لوسائل الإعلام التي تداولت الخبر، أن تخوض في تفاصيل عن هذه الشجرة، التي كانت شاهدة على العشرات من الرؤساء الأمريكيين ممن دخلوا المكتب البيضاوي ثم غادروه.

ومما عرفناه من تقارير الصحافة، أن الشجرة من نوع ماجنوليا، وأن زارعها في مكانها، هو الرئيس الأمريكي، أندرو جاكسون، والذي حكم البلاد بين الأعوام 1829 و1837، وأنه زرعها تكريماً لزوجته التي رحلت قبل دخوله البيت الأبيض بسنة، وأنه سماها راشيل على اسم الزوجة، وأنه كان يوليها عناية خاصة جداً بالطبع.

ومما لم تذكره التقارير المنشورة، أنه ليس من المستبعد أن تكون السيدة ميلانيا ترامب، قد غارت من الشجرة، لأنه ليس من السهل على سيدة أولى مثلها أن تدخل وتخرج من البيت الأبيض، بينما شبح راشيل يترصد لها في طريقها، حتى ولو كان شبح راشيل الذي يترصد شجرة، وليس امرأة من لحم ودم. إن الرئيس جاكسون قضى سنواته في البيت الأبيض، يفتقد زوجته راشيل، وكان عندما زرع الشجرة في محلها، وكأنه سوف يرى فيها الزوجة الراحلة، كلما راح يتطلع للشجرة التي يراها من مكتبه وهو جالس في مكانه.. فهذا ما قاله ترامب نفسه، عندما ذكر أنه يراها من مكتبه، وأنها تكاد تغطي على الأفق أمامه إذا ما نظر من نافذة المكتب. فإذا عرفنا أن البيت الأبيض هو مقر إقامة الرئيس وزوجته، لا مقر عمله فقط، فإن حكاية الغيرة المحتملة لدى السيدة الأولى من صاحبة الشجرة لا تصبح بعيدة، فهذه أمور طبيعية في النساء، ولا تُلام سيدة عليها، ولا شأن لذلك بالسياسة ولا بغير السياسة، ولا علاقة لهذه النقطة بالسلامة، ومدى ما تمثله الشجرة من خطورة عليها.

لو افترضنا نظرياً أن الرئيس جاكسون كان يبيت في الجناح الرئاسي، وهو يجد في وجود الشجرة تعويضاً عن غياب الزوجة، التي من الواضح أنه أحبها، وإذا افترضنا نظرياً كذلك أنه كان يجد في الشجرة نوعاً من الونس، فإننا نستطيع نظرياً أيضاً أن نفترض أن ما تجده السيدة ميلانيا تجاه الشجرة ذاتها، شيء مختلف.

ولكن، وبصرف النظر عن هذا كله، فإن ما يهمنا هنا في القصة كلها، هو أن سيد البيت الأبيض، لما فكّر في إزالة الشجرة، أعلن ذلك مسبقاً، وأنه قد جعل إعلانه مقروناً بإبداء تقديره للشجرة ذاتها على وجه الخصوص، وللشجر بالإجمال، وللخُضرة في العموم، وإلا ما كان قد تكلم عن الشجرة البديلة، وعن القيمة التي تمثلها أخشاب الشجرة القديمة. نظل نحن أحوج ما نكون إلى هذه الثقافة هنا في أرض العرب، ولسنا في حاجة إلى أن نستوردها من الخواجات، لأنها جزء أصيل في تراثنا، ولا دليل على ذلك أقوى من أن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام كان يوصي أصحابه بألا يقطعوا شجرة إذا خرجوا في أي معركة.. كان يوصي بذلك، وكان يشدد على التوصية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد