: آخر تحديث

المأساة والمهزلة قَدَمَا أحداثِ التاريخ

2
2
2

السياسة ملاحم بشرية حية. هي اللحمة والسدى في نسيج التاريخ، الذي لا تغيب فيه المأساة، وتعود في صورة مهزلة، كما قال كارل ماركس. ولكن كثيراً ما تتداخل الحالتان، المأساة والمهزلة في الأحداث ذاتها. الحروب الكبيرة تشعلها شرارة صغيرة، تقدحها أطماع أو مخاوف في رؤوس من يمتلكون القرار، ويتحكمون في مصائر شعوبهم. ولكنها كثيراً ما انفجرت بسبب لحظة غضب من شخص نكرة، ليس له في القرار أو القيادة. الحرب العالمية الأولى التي غيّرت العالم، أنهت إمبراطوريات وخلقت دولاً جديدةً. أطلقها الشاب الصربي القومي غافريلو برانسيب برصاصتين على ولي عهد النمسا فرانسوا فرديناند وزوجته صوفي يوم 28 يونيو (حزيران) سنة 1914 وأرداهما قتيلين. رصاصتان غيرتا مسار التاريخ، في زمن يرتجف. في ذاك اليوم وبتلك الرصاصتين، بدأت المأساة ومعها المهزلة. ثانية واحدة من عمر الزمن أشعلت حرباً كبرى عالمية، دامت أربع سنوات وثلاثة شهور، قُتل وجُرح فيها الملايين. انتهت تلك الحرب الدامية المدمرة، بسلام صامت استمر عقدين من الزمن، لتشتعل حربٌ عالميةٌ أوسع وأكثر دموية ودماراً من سابقتها. أشعلها عريف ألماني من أصول نمساوية. كان متطوعاً في الجيش الألماني في الحرب الأولى. نجح العريف أدولف هتلر الفاشل في محاولاته لأن يكون رساماً، نجح في الاستيلاء على الحكم في ألمانيا، عبر مهزلة اختلطت فيها أوراق الانتخابات البرلمانية، بعنف منظم قاده حزبه النازي، لتبدأ مأساة سالت فيها أنهار من الدماء، وقُتل فيها عشرات الملايين، ودُمرت مدن وبلدات وقرى في أوروبا وخارجها. في سنة 1938 طالب هتلر بضم منطقة السوديت التابعة لتشيكسلوفاكيا، حيث توجد مجموعة كبيرة ناطقة باللغة الألمانية إلى ألمانيا النازية. عقد اجتماع في ميونيخ بألمانيا، ضم نيفيل تشمبرلين رئيس وزراء بريطانيا، وبنيتو موسوليني رئيس وزراء إيطاليا، وإدوار دلادييه رئيس وزراء فرنسا، وأدولف هتلر رئيس ألمانيا. وقع في ختام الاجتماع على اتفاقية تقضي بتقسيم تشيكسلوفاكيا، بين ألمانيا النازية وبولندا والمجر. كان الهدف إرضاء ألمانيا تجنباً لاندلاع حرب عالمية ثانية. عاد نيفيل تشمبرلين إلى لندن مزهواً بما حققه في ميونيخ، وعند هبوطه على سلم الطائرة، لوَّح بورقة الاتفاق، وقال لمستقبليه، اذهبوا وناموا بسلام، ولتكن أحلامكم سعيدة، فلا حرب بعد اليوم. عمَّ الفرح أوروبا بما تم في تلك القمة التي ضحت بكيان دولة مستقلة، ولدت في اتفاق باريس بعد الحرب العالمية الأولى. السياسي البريطاني البارز الوحيد، الذي هاجم تلك المعاهدة، كان ونستون تشرشل، وقال لقد حصلنا على العار فقط، ولكن المآسي قادمة.

اثنان قرآ ما لم تطفُ حروفه على أوراق اتفاقية ميونيخ، السياسي البريطاني ونستون تشرشل، ورئيس ألمانيا النازي أدولف هتلر. تشرشل أدرك مبكراً نيّات الزعيم النازي هتلر، أما هذا الأخير فقد أيقن أن سياسة التهديد هي التي تعطيه الأسنان الحديدية المجنزرة، التي سيقضم بها المزيد من الأراضي. ضم هتلر النمسا إلى رايخه الثالث بمهزلة تعانق فيها الغزو والاستفتاء، ولم يرتفع صوت أوروبي يدين أو يهدد، فالنمسا شعبها ناطق بالألمانية وهتلر ابنها. استمرأ الفوهرر سياسة قفزة الضفدعة، للاستيلاء على المزيد من الأراضي المتاخمة لحدود ألمانيا، حيث توجد مجموعات ناطقة باللغة الألمانية. طالب حكومة بولندا بالتنازل له عن منطقة غدانسك على خليج دانزيغ، وعندما رفضت قام هتلر بالاستيلاء عليها بالقوة. أعلنت كل من بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا، بعد غزوها بولندا. صارت أوروبا إسفنجة ملغومة تعوم فوق بحر، تتحرك ألوان موجاته، بسرعة تنذر بآتٍ مرعب. احتل هتلر فرنسا ودخلت بريطانيا التي يقودها تشرشل الحرب ضد ألمانيا النازية. سلسلة طويلة من النار، التوت فيها حلقات المآسي والمهازل، وصارت الجثث هي عشب اللحم الذي يغطي الأرض. شنَّ هتلر الحرب على الاتحاد السوفياتي، في حملة عسكرية جنونية واسعة، انتهت بوصول الجيش السوفياتي الأحمر إلى حفرة هتلر في برلين، حيث خنقته أصابع المأساة والمهزلة ومات منتحراً. في كل مأساة مهزلة، وفي كل مهزلة مأساة. في سنة 1947 صدر قرار الأمم المتحدة رقم 181 بتقسيم أرض فلسطين بين العرب واليهود. رفض العربُ القرار واندفعت جيوشهم للحيلولة دون تأسيس الدولة العبرية. هُزِمت الجيوش العربية، وقامت الدولة العبرية. تولت مصر إدارة غزة والأردن إدارة الضفة الغربية. في سنة 1964، عقدت قمة عربية بالقاهرة. في جلسة ثنائية خاصة بين الرئيسين الحبيب بورقيبة وجمال عبد الناصر، قال الرئيس التونسي لعبد الناصر، أنت الآن قوي محلياً وعربياً ودولياً، ويمكنك أن تدعو إلى إحياء قرار الأمم المتحدة رقم 181، وأن تقوم بتأسيس دولة فلسطينية تضم غزة والضفة الغربية، فأنا أؤمن بسياسة خذ وطالب. هزَّ عبد الناصر رأسه وقال طيب سنفكر في الأمر. قام بعد ذلك بورقيبة بزيارة أريحا وأعلن مبادرته. هاجمته الجماهير وألقت عليه الطماطم والبيض الفاسد. شن أحمد سعيد من «صوت العرب» هجوماً تهكمياً على الرئيس التونسي، ووصفه بـ«أبي خيبة». بعد هزيمة يونيو (حزيران) 1967، قال بورقيبة، ذهب جمال عبد الناصر لتحرير فلسطين، فأخذوا منه سيناء. المأساة والمهزلة قدمان تمشي بهما أحداث الدنيا، والكوارث تحدوهما دون توقف.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد