عماد الدين حسين
الخميس الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ما أسماه «يوم التحرير الاقتصادي»، وقرر فرض رسوم جمركية على سلع وبضائع من نحو 200 دولة.
ترامب قرر يومها فرض رسوم جمركية على غالبية الدول التي تتعامل معها بلاده تجارياً، بنسب متدرجة تبدأ من 10%، وتصل إلى 49% مع بعض الدول، كما حدث مع كولومبيا والصين 34%، واليابان 24%، والاتحاد الأوروبي 20%، و46% على فيتنام، و42% من إندونيسيا، وعلى جنوب أفريقيا 30%، وعلى سويسرا 31%، 10% على كل من سنغافورة والبرازيل، و25% على كندا.
أما في ما يتعلق بالدول العربية، فقد فرض رسوماً على السلع السورية بنسبة 41%، و39% مع العراق، و31% مع ليبيا، و30% مع الجزائر، و20% مع الأردن، و28% مع تونس، و10% مع مصر ودول خليجية واليمن والمغرب ولبنان.
هذا هو الخبر، الذي كان يترقبه كثيرون، ومن الواضح من متابعة ردود الفعل المختلفة، أن غالبية المراقبين يكادون يتفقون على أن هذا القرار هو إعلان حرب تجارية عالمية، تضع أمريكا في كفة، وبقية العالم تقريباً في كفة أخرى، خصوصاً أن دولاً كثيرة قررت الرد على الإجراءات برسوم مضادة، وهو ما فعلته الصين، بفرض 34% رسوماً جمركية على السلع الأمريكية.
ترامب فرض رسوماً جمركية مختلفة ومتباينة، الأسبوع قبل الماضي، على كل السيارات وقطع الغيار المستوردة للسوق الأمريكية، لكن ما فعله الأسبوع الماضي، هو رسوم جمركية على غالبية السلع، وبالطبع، فإن هذا القرار أصاب في مقتل، عدداً كبيراً من الشركاء الأساسيين التجاريين للولايات المتحدة، خصوصاً أوروبا واليابان والصين وكندا، والمؤكد أن هذا القرار سيتسبب في فوضى تجارية عالمية غير مسبوقة.
بوادر هذه الفوضي، هي انهيار أسواق الأسهم في عدد كبير من العالم في الأيام الماضية، خصوصاً في أمريكا وآسيا. خسر أغنى 500 شخص في العالم 208 مليارات دولار الخميس الماضي، وهو رابع أكبر انخفاض يومي في تاريخ مؤشر بلومبرغ للمليارديرات.
نظرة سريعة على ردود أفعال الشركاء التجاريين الكبار على هذه القرارات، تقول لنا بوضوح إن العالم مقبل على فترة غير مسبوقة من الفوضى التجارية والاقتصادية، وربما السياسية. لكن المؤكد أن هذه القرارات سيدفع ثمنها كثيرون أيضاً، ليس فقط كبار الأثرياء في العالم، أو من الدول المصدرة للولايات المتحدة، ولكن دول نامية كثيرة ستدفع الثمن، في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل.
المفترض أن الصين هي المستهدف الأكبر بقرارات ترامب، وقد سبق له أن فرض عليها رسوماً جمركية متنوعة في ولايته الأولى «2016 - 2020»، ووعد أن تصل الرسوم في الولاية الجديدة 80%. بعض الرسوم التي فرضها ترامب على الصين، وصل إلى 54% لبعض السلع، الحكومة الصينية قررت فرض رسوم مماثلة بنسبة 34%، تسري من 10 أبريل الجاري.
قد يقول البعض إن الصين هي الخصم الأساسي لأمريكا، التي تخشى أن تسبقها اقتصادياً؟، لكن كيف يمكن تفسير أن ترامب لم يفرق بين الصين الخصم، وأوروبا «الحليف»؟!. رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون ديرلاين، اعتبرت القرارات ضربة للاقتصاد العالمي، وأن تبعاتها ستكون وخيمة على ملايين الناس في أرجاء العالم، وأن كل الشركات ستعاني. البعض يصف بريطانيا وألمانيا وفرنسا من أكبر الحلفاء للولايات المتحدة داخل أوروبا والعالم، فماذا كان موقف البلدان الثلاثة؟
رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر قال: «ترامب تصرف من أجل بلاده، واليوم سأتصرف من أجل مصلحة بلادي، وعلينا أن نتصرف بهدوء، لكن المؤكد أنه سيكون هناك تأثير اقتصادي».
أما ألمانيا، فقال مستشارها أولاف شولتز: إن التعريفات كانت خاطئة من الأساس، وستتسبب في إلحاق الضرر بجميع أنحاء العالم، وأمريكا نفسها. أما الموقف الفرنسي، فكان لافتاً للنظر، وتضمّن هجوماً شخصياً ونادراً، فالحكومة الفرنسية هاجمت ما أسمته «الموقف الإمبريالى» لترامب، وأنه يريد أن يكون «سيد العالم».
أيضاً نائب رئيس الوزراء البلجيكي، مكسيم بريفو، الذي تستضيف بلاده الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، فكانت له عبارة لافتة، وهي: «من خلال اللعب بأعواد الكبريت، فسينتهي الأمر بالولايات المتحدة أن تحرق نفسها». حتى إسرائيل، التي يعتبرها البعض بمثابة الولاية الأمريكية الـ 51، شعرت بالصدمة، لأن ترامب فرض عليها رسوماً جمركية بنسبة 17%.
الغريب أن إسرائيل قررت في الأسبوع الماضي، إلغاء الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية، ظناً أن ذلك سيجعل ترامب يستثنيها من قراراته، لكنه لن يفعل. ومن خلال متابعة تعليقات قادة العالم، ففي ظني أن من بين أفضل التعليقات على القرارات، ما قالته هيلديغارت مولر رئيسة جمعية السيارات الألمانية، حيث وصفت شعار ترامب «أمريكا أولاً»، بأن من الأفضل أن يتحول إلى «أمريكا وحدها»، وليس أولاً!
ومن ردود الفعل التي ينبغي أن نتوقف عندها، ما قالته نجوزى أوكو نجو المدير العام لمنظمة التجارة العالمية، بأن قرارات ترامب، ربما تؤدى إلى انكماش إجمالي في حجم التجارة العالمية للسلع بنسبة 1% خلال العام الجاري.
أما الأخطر، فهو أن بنك جيه بي مورغان، رفع احتمالات حدوث ركود في الولايات المتحدة والعالم إلى 60%، بدلاً من 40، وسارعت شركات وساطة إلى مراجعة نماذج توقعاتها، في الوقت الذي تهدد فيه الرسوم الجمركية بتقويض ثقة الشركات، وإبطاء النمو العالمي.
إذن، هناك إجماع من قبل غالبية دول العالم، أنها ترفض قرارات ترامب، لكن السؤال الثاني: كيف سيتصرف المتضررون، وما النتائج المتوقعة؟
أظن أن قرارات ترامب هي بمثابة زلزال تجاري كبير، ستكون له توابع وارتدادات كثيرة، ستستمر مع العالم أجمع لوقت طويل، وبالتالي، يستحق المزيد من النقاش من كافة الزوايا.