عقل العقل
في مجتمعات متغيرة وذات طابع اجتماعي واقتصادي ضاغط على سكان المدن الكبيرة قد تكون الهجرة والتوجه لهذه المدينة من الضروريات لقطاع كبير من السكان في بلادنا لأسباب عدة، ويأتي في مقدمتها الحصول على وظيفة وفرص اقتصادية جديدة، ولتركز مراكز العمل والإنتاج في هذه المدن، وهذا بطبعه ولد مدناً ضخمة وممتدة لها مزاياها وعيوبها المتعددة على ساكنيها من غلاء مستوى الحياة فيها وارتفاع أسعار أساسيات الحياة من سكن وعلاج وتعليم وترفيه. هذه الإشكاليات تعاني منها أغلب المدن والعواصم في العالم، ونجد مثلاً في بعض الدول الغربية أن قطاعات كبيرة من المتقاعدين يخططون ولفترة طويلة أن يتملكوا منازل في مدن على الشواطئ، وتكون في الغالب مدناً متوسطة أو صغيرة وأغلب سكانها من كبار السن وتوفر لهم الخدمات الضرورية كما في المدن الكبيرة، ومستوى الأمان والهدوء فيها مرتفع جداً، ومع مرور الوقت نجد أن أسعار المنازل فيها ترتفع بشكل جنوني نتيجة الهجرة إليها من مدن وعواصم تلك الدول التي تعاني من مشاكل في الاختناقات المرورية وسرعة في نمط الحياة لا تناسب المتقاعدين وكبار السن. في منطقتنا الخليجية لم تتبلور مثل هذه الأنماط الاجتماعية فالكل يعيش ويرغب أن يعيش ويعمل ويتقاعد في العاصمة أو في المدن الكبيرة رغم الإشكاليات المتعددة فيها من غلاء أسعار ومشاكل في تنظيم شوارعها، وقد تكون بعض برامج جودة الحياة هي بداية مرحلة لأنسنة المدن وجعلها جاذبة للحياة قبل أن تكون مراكز للتوظيف والعمل المستمر الذي قد يولد العزلة الاجتماعية للبعض رغم الاختلافات في عادات وقيم المجتمعات التي لا تزال تحافظ على الروابط الأسرية في مجتمعاتنا المحلية.
في المناسبات والأعياد نلحظ أن شوارع الرياض مثلاً تكون هادئة، والمشاوير نقطعها بدقائق معدودة مقارنة بساعات كنا نهدرها ونحن داخل مركباتنا في الأيام العادية. البعض يتمنى أن تطول هذه الإجازات حتى نعيش حياة أقل ضغوطات وصخباً. بعض المتقاعدين يجب عليهم التفكير بجدية للانتقال للحياة في المدن الصغيرة والمتوسطة والقريبة نوعاً ما من العاصمة والمدن الكبرى، رغم أن الأسعار في هذه المناطق لم تسلم من الارتفاع غير المبرر للأراضي فيها ناهيك عن الاستراحات أو المزارع الصغيرة. أتوقع أن من يسكن في مدننا الكبيرة هم من يحتاجونها بالفعل للعمل والدراسة والتجارة، أما من لم تعد له علاقة بهذه الأمور فالهجرة للريف هي الحل لراحة البال والتكيف الحياتي مع التضخم المتزايد في المدن الكبرى خاصة أن الخدمات بشتى أنواعها متوفرة في أغلب مناطق المملكة، وتغطية الإنترنت قوية هناك، وهي من أساسيات الحياة لإنسان هذا العصر.