أخذت المملكة العربيّة السعودية قراراً، من نوع مختلف، يقضي بالدفاع عن نفسها في مواجهة "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران. يشير ذلك إلى إدراك عميق للألاعيب والمناورات التي اعتادت إيران ممارستها من جهة، وإلى فهم حقيقي وواقعي للتغييرات التي تشهدها المنطقة والعالم من جهة أخرى.ليس الاتفاق ذو الطابع الدفاعي، الذي توصلت إليه المملكة مع تركيا وإيران، سوى رسالة غاية في الوضوح. تمتلك الرسالة أهمّية استراتيجية وبعداً إقليمياً. فحوى الرسالة أنّ هناك استيعاباً على صعيد المنطقة، أي في تركيا وباكستان أيضاً، للخطر الذي تشكّله "الجمهوريّة الإسلاميّة" والإيدولوجية التي اعتمدتها ولا تزال تعتمدها.باتت إيران ترى في مهاجمة جيرانها العرب القريبين منها بديلاً ثابتاً من مهاجمة القطع البحرية الأميركيّة الموجودة في مياه الخليج غير بعيد عن الساحل الإيراني. أكثر من ذلك، تتردّد إيران في مهاجمة إسرائيل خشية ردة فعلها التي هي أشدّ إيذاء ودقة من أي ردّ فعل أميركي.تكمن أهمّية الموقف السعودي المستجد من رؤية تأخذ في الاعتبار أنّ التعاطي مع إيران والعدائية التي تظهرها يعني التعاطي أيضاً مع الأدوات الإيرانيّة، بما في ذلك ميليشيات "الحشد الشعبي" في العراق التي تعتدي على المملكة وعلى دولة الكويت.من هذا المنطلق، يمكن فهم الإصرار السعودي على وضع الحكومة العراقيّة أمام مسؤولياتها. ليس حدثاً عادياً أن يذهب مسؤول سعودي، هو رئيس المخابرات خالد الحميدان، إلى بغداد لمقابلة رئيس الوزراء علي الزيدي. تعني الزيارة الكثير، بما في ذلك شخصية المبعوث السعودي وصفته. تعني الزيارة، قبل أيّ شيء، وضع الأمن في مقدّم العلاقات السعوديّة – العراقية. من وجهة نظر الرياض، لا بدّ من أن تثبت الحكومة العراقية أنّّها صاحبة قرارها بعدما عرض المسؤول الأمني السعودي كلّ ما يمتلكه من معطيات دقيقة تؤكّد أنّ ميليشيات "الحشد الشعبي" تتصرّف بشكل مستقل عن الحكومة.تحول "الحشد الشعبي" إلى أداة إيرانية بامتياز لا أكثر. لا مجال لأي علاقات طبيعية سعودية – عراقية من دون إمساك الحكومة العراقيّة بقرار الحرب والسلم واحتكارها للسلاح. ليست زيارة الحميدان لبغداد غير تأكيد لواقع جديد تختزله عبارة واحدة هي: أمن السعوديّة أوّلاً. ستظهر الأيام القليلة المقبلة إذا كانت حكومة الزيدي تمتلك ما يسمح لها بالسعي إلى إقامة علاقات طبيعية مع الدول العربيّة الأخرى... أم ستبقى أسيرة الهيمنة الإيرانية ممثلة بميليشيات "الحشد الشعبي".
إدراك سعودي للمناورات الإيرانيّة...
مواضيع ذات صلة

