: آخر تحديث

اليد التي أطعمتك.. لماذا تعضها؟

3
3
3

ليلى أمين السيف

هناك سؤال لم يشغل الفلاسفة وحدهم بل شغل كل حضارة قامت على وجه الأرض: هل الإنسان خير بطبعه أم شرير بطبعه؟

قد لا نجد جواباً واحداً، لكننا نجد حقيقة واحدة؛ أن أي مجتمع يفترض أن جميع أفراده لصوص لن يستطيع أن يبني حضارة. وأي دولة تعامل كل مواطن على أنه محتال لن تصنع مجتمعا من المواطنين بل طوابير من المتهمين.

لهذا لم تُبنَ الدول الحديثة على افتراض أن الناس يكذبون، بل على افتراض أنهم يقولون الحقيقة.. ثقةٌ لا تعني أن الناس ملائكة وإنما تعني أن الخير هو الأصل وأن القانون وُجد ليحمي هذا الأصل لا ليهدمه.

وفي كل مرة أقرأ خبرا عن الاحتيال على أنظمة الرفاه لا أسأل أولا: من أي بلد هذا الشخص؟ ولا ما دينه؟ ولا ما لغته؟ بل أسأل سؤالا أبسط وأعمق: كيف يموت الضمير؟

الثقة ليست سذاجة.. إنها أساس الحياة.

والمجتمعات ليست مختلفة عن الأفراد. فهناك مجتمعات بنت أنظمتها على الشك حتى أصبح المواطن يجمع عشرات الأوراق والأختام ليقنع موظفا بأنه يقول الحقيقة. وهناك مجتمعات اختارت طريقا أصعب وأجمل؛ أن تبدأ بحسن الظن وأن تفترض أن الإنسان صادق حتى يثبت العكس.

قد يراها البعض مخاطرة لكنها في الحقيقة أعلى درجات التحضر لأن الحضارة لا تُقاس بعدد السجون بل بعدد الناس الذين لا يحتاجون إلى السجون كي يكونوا أمناء. ومن هنا جاءت فكرة دولة الرفاه. فهي لا تقول للمريض: أثبت أولا أنك تتألم.

ولا تقول للمعاق: أقنعنا أنك عاجز.

ولا تقول للعاطل: سنتركك حتى تجوع.

بل تقول: نحن نصدقك لأن كرامتك الإنسانية تستحق أن نبدأ بالثقة لا بالاتهام .وليس ذلك لأنها تجهل وجود الكاذبين بل لأنها تؤمن أن إذلال آلاف بل ملايين الصادقين خوفا من عشرات المحتالين هو ظلم أكبر من خسارة بعض المال.

إنها تراهن على الضمير. لكن الضمير لا يبقى حيا من تلقاء نفسه؛ إنه مثل العضلة يقوى بالممارسة ويضمر بالإهمال وهنا تبدأ المشكلة فبعض الناس بدل أن يرى هذه الثقة نعمة يراها ثغرة.

وبدل أن يقول: «كيف أكون جديرا بهذا المجتمع»

يسأل: «كيف أستفيد من هذا المجتمع إلى أقصى حد؟»

وبدل أن يبحث عن عمل يبحث عن طريقة ليُثبت أنه لا يستطيع العمل.

وبدل أن يحافظ على المال العام يتعامل معه وكأنه كنز بلا صاحب.

والأعجب أن بعضهم إذا نجح في الاحتيال لم يشعر بالخجل بل شعر بالفخر. يروي قصته لمن حوله وكأنه انتصر في معركة ويُقدَّم في بعض المجالس على أنه ذكي بينما الحقيقة أنه لم يهزم الدولة بل هزم ضميره.

وليس المال هو أكبر ما يُسرق في هذه القصص. فالمال يمكن تعويضه أما الثقة فلا

قبل أيام قرأت خبرا عن شخص اتُّهم -وفقا للإدعاءات- بالاحتيال على نظام المساعدات والاستيلاء على ملايين من المال العام. لم يشغلني اسمه ولا بلده ولا دينه بقدر ما شغلني سؤال واحد: كيف تحولت يدٌ امتدت لمساعدة المحتاج إلى فرصة للغنيمة؟

وفي المقابل روت لي صديقة تعيش في كندا أنها كانت تستطيع أن تطلب اللجوء لوالديها منذ أول زيارة لكنها رفضت ذلك موضحة:» لو فعلت ذلك وسار غيري على النهج نفسه فربما تتشدد الحكومة مستقبلا في منح التأشيرات ويُحرم منها أناس يستحقونها. أردت أن أستفيد من النظام دون أن أسيء إليه».

بين هذين الموقفين تختصر الحكاية كلها؛ فالأول رأى في النظام فرصة للاستغلال اما الثانية فرأت نفسها شريكة في حمايته.

وعندما تنتشر حالات الاحتيال لا تتغير أرقام الميزانية فقط بل تتغير القوانين وتزداد القيود وتكثر التحقيقات ويصبح الحصول على المساعدة أصعب ويجد المريض الحقيقي نفسه مطالبا بإثبات ألمه مرة بعد مرة.

ويجد المعاق نفسه موضع شك.

ويجد المهاجر الشريف نفسه يدفع ثمن من سبقه. وهنا ندرك أن المحتال لم يسرق من الدولة وحدها.

لقد سرق من كل محتاج سيأتي بعده.

وسرق من كل مهاجر يريد أن يبدأ حياة كريمة وسرق من فكرة جميلة اسمها الثقة.

وقد يقول قائل: هذه المشكلة ليست خاصة بالمهاجرين أو بفئة دون أخرى. وهذا صحيح. فالاحتيال جريمة بشرية قبل أن يكون ظاهرة مرتبطة بجنسية أو دين. لكن عندما يرتكبها مهاجر فإن آثارها لا تقف عند المحكمة بل تمتد إلى صورة ملايين المهاجرين الأبرياء.

وأما نحن المسلمين فالمسؤولية في حقنا أعظم لأننا لا نحمل أسماءنا فقط بل نحمل دينا يراقب الناس أفعال أهله. فإذا كذب المسلم قيل: هذا المسلم كذاب. وإذا خان الأمانة، قيل: هذا ما يفعله المسلمون.

والإسلام لم يجعل الأمانة خلقا ثانويا بل جعلها من علامات الإيمان وحرَّم أكل أموال الناس بالباطل، سواء كانت أموال فرد أو أموال مجتمع.

ومن المؤلم أن يفر إنسان من فساد في بلده ثم يساهم في صناعة فساد جديد في البلد الذي احتضنه.

فهذا لا يظلم نفسه وحدها بل يظلم كل مهاجر شريف ويمنح دعاة الكراهية مادة جاهزة ليقولوا

انظروا لقد كنا على حق والحقيقة أنهم ليسوا على حق لأن ملايين المهاجرين يعيشون بشرف

ويعملون ويدفعون الضرائب ويحترمون القانون ويربون أبناءهم على رد الجميل لكن مشكلة الخير أنه صامت أما الشر فصوته مرتفع. ولهذا فإن مسؤولية الشرفاء أكبر لأنهم لا يدافعون عن أنفسهم فقط بل يدافعون عن صورة أمة كاملة.

في النهاية، المجتمعات لا تنهار يوم ينفد المال بل يوم تنعدم الثقة، فإذا مات الضمير فلن تكفي آلاف القوانين لإحياء العدالة. أما إذا بقي الضمير حيا فإن حضارة كاملة قد تقوم على كلمة واحدة تكفي لبناء مجتمع كامل.. «أمانة».

** **

- يمنية مقيمة في السويد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد