خالد بن حمد المالك
قرن من الزمان مضى، مائة عام بالتمام والكمال مضت، وهذا هو عمر العلاقات الدبلوماسية بين المملكة وروسيا، وإذ تأتي الذكرى هذه الأيام، إنما تذكرنا بأن روسيا هي أول دولة في العالم كانت اعترفت بالمملكة وبدأت علاقاتها الدبلوماسية، حين كانت الدولة الروسية باسم الاتحاد السوفيتي.
* *
ومع أن العلاقات الدبلوماسية التي بدأت عام 1926م لم تصمد كثيراً، فقد قطعت على مدى 53 عاماً خلال الفترة ما بين 1938م و1990م، غير أن هذه الفترة الطويلة من غياب التمثيل الدبلوماسي بين البلدين لم يصاحبها نزاعات وخلافات وتدخلات، فقد وصف الخلاف بأنه كان تميزا بين كبيرين، كل منهما يحترم الآخر، وإن اختلفا في السياسات.
* *
صحبت العلاقات الثنائية محطات كثيرة، بين مد وجزر، لكن ما كان يميزها هو ذلك الاحترام المتبادل، والعمل على فك التعقيدات والتحديات التي كانت تواجهها، وكانت عقيدة الاتحاد السوفيتي آنذاك غير السياسة الحالية التي أخذت بها روسيا، ما جعلها مع الاسم الجديد، والتغيير الجديد منفتحة على العالم، وراغبة في مد تعاونها مع دول العالم، وعلى الأخص مع المملكة.
* *
يلاحظ ضمن تميز العلاقات بين البلدين، أن الملك سلمان زار روسيا لمرة واحدة، بينما زارها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ثلاث مرات، ومثله فقد زار الرئيس الروسي بوتين المملكة ثلاث مرات، ما يؤكد على متانة العلاقات، خاصة في عهد الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان، وقد أسفرت هذه الزيارات عن مجموعة من الاتفاقيات، وتوافق على السياسات، والتنسيق في ذلك.
* *
هناك زيارات سعودية أخرى لروسيا، أهمها زيارة الملك فيصل بتوجيه من الملك عبدالعزيز، وكان ذلك عام 1932م، أي بعد ست سنوات من اعتراف الاتحاد السوفيتي بالمملكة، كما زارها كل من الملك عبدالله والأمير سلطان، حين كان كل منهما ولياً للعهد، وهذا يوكد على أن العلاقات الثنائية بين البلدين كانت تأخذ مساراً متطوراً ومستداماً، ضمن الاهتمام بتعميق العلاقات بين الرياض وموسكو.
* *
ومعروف أن العلاقات بدأت باعتراف الاتحاد السوفيتي بالحجاز ونجد عام 1930م حين كان الملك عبدالعزيز سلطاناً عليها، وقبل الإعلان عن قيام المملكة العربية السعودية، وبعد أربع سنوات، وتحديداً في عام 1930م من هذا الاعتراف رفعت موسكو تمثيلها بتحول القنصلية في جدة إلى سفارة، ما يؤكد على الانسجام في تلك المرحلة، والمزاج السياسي المتطابق بين الدولتين، وإن لم يطل كثيراً، في ظل مستجدات أثرت في استمرارها.
* *
في روسيا يوجد أكثر من 25 مليون مواطن مسلم، معدل ما يصل منهم لأداء الحج سنوياً ما بين 16 إلى 20 ألف مواطن روسي، وفي جامعات روسيا يدرس السعوديون المبتعثون إلى هناك في 18 جامعة، وعلاقات المملكة بروسيا تمتد إلى ارتباطات كثيرة، أبرزها مع أوبك، ومجموعة العشرين.
* *
هناك شراكات أخرى كثيرة ومهمة بين البلدين، وتعاون في الاستثمار، والاقتصاد، والسياحة، والرعاية الصحية، والتبادل العلمي، والعسكري، والتقنية، والثقافة، والإعلام، وغيرها، ومؤخراً تم إلغاء التأشيرات بين البلدين، وهو قرار تاريخي، يؤكد على أن هناك تطورا متسارعا في تعزيز العلاقات بين الرياض وموسكو.
* *
وما يميز العلاقات الروسية السعودية، الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل من البلدين، والتنسيق وتبادل المعلومات في حماية السلم العالمي، وإيجاد منافذ ومسارات لمعالجة الأزمات العالمية، ومنع أي تصعيد يقود إلى التوتر والحروب، متى كان هناك فرصٌ تؤدي إلى تحقيق ذلك.

