ميسون الدخيل
حضر أخي مؤخرًا حفل عقد قران لإحدى الأسر العربية في أمريكا، خلال الحفل قدمت فرقة العرض الترفيهي أو لنقل الفني فقرة غنائية لأغنية مشهورة بعنوان «أنا دمي فلسطيني». المعروف أن في حفلات الزفاف لا يقدم أصحاب الحفل قائمة بالأغاني أو الفقرات الترفيهية التي ستعرض، لأصحاب الصالة أو إدارة فندق الحفل، فعادة ما يحضر المدعوون ويحتفلون مع أصحاب المناسبة، لا أحد يخطر على باله أن هنالك من سيتنصت ليرصد ويشتكي! لكن هذا ما حدث، بعد الحفل تقدمت إحدى الأسر اليهودية التي لم تكن من الحضور، بل من النزلاء، بشكوى ضد الفندق تحت بند «معاداة السامية» لأن الأغنية أثارت حفيظتهم وشعروا بالاستياء! عندما سمعت الخبر لم أدر هل أضحك أم أغضب من الدرجة التي وصل إليها التدخل حتى في الحفلات الخاصة، أو للاستغلال الذي يستخدمه الصهاينة للتضييق على الأسر العربية وإجبارهم على تقديم تقرير عن كل حدث في حياتهم قبل إطلاقه أو تنفيذه! في مجال العدالة الاجتماعية، غالبًا ما يُثير تطبيق القوانين التي تهدف إلى حماية فئات مُحددة نقاشاتٍ نقدية حول تداعياتها الأوسع، ومن الأمثلة الحديثة على هذه الديناميكية، تزايد التشريعات المُناهضة لخطاب الكراهية، ولا سيما تلك التي تهدف إلى الحد مما يسمى «معاداة السامية» وغيرها من أشكال التمييز. وبينما تهدف هذه القوانين إلى حماية المجتمعات المُستضعفة من الكراهية والعنف، فإن عواقبها قد تُؤدي إلى ردود فعلٍ عنيفة، ما يُثير تساؤلاتٍ حول التوازن بين حماية الحقوق وانتهاك حريات الآخرين. يهدف قانون مكافحة معاداة السامية في المقام الأول إلى تهيئة بيئة أكثر أمانًا للأفراد الذين قد يواجهون التمييز والعنف بسبب هويتهم، ويسعى الأساس الأخلاقي لهذه التشريعات إلى صون كرامة جميع المواطنين، وضمان عدم وجود ملاذ لخطاب الكراهية في الخطاب العام. ومع ذلك، ومع توسع نطاق هذه القوانين وتطبيقها، برزت مخاوف بشأن تأثيرها في حرية التعبير، وهي حق أساسي في المجتمعات التي تدعي الديمقراطية. أدى تطبيق قوانين صارمة لمكافحة خطاب الكراهية إلى تأثير سلبي، حيث بات الكثير من الأفراد يترددون في التعبير عن آرائهم خوفًا من التبعات القانونية. هذا الجو من الحذر خنق الحوار والنقاش المفتوحين، وهما عنصران أساسيان في أي ديمقراطية فاعلة؛ بمعنى أنهم يخنقون الديمقراطية بالليبرالية؛ بمعنى أنه عندما يشعر الناس بأن حقهم في حرية التعبير مهدد، يخلق ذلك مناخًا من التوتر والاستياء، لا سيما بين أولئك الذين يرون في هذه القوانين تجاوزًا للسلطة. في بعض الحالات، أدى تطبيق هذه القوانين إلى مقاضاة أفراد بسبب تصريحات، وإن كانت مثيرة للجدل، إلا أنها قد تندرج ضمن نطاق الخطاب المشروع. هذا الاحتمال لاتخاذ إجراءات قانونية ضد حرية التعبير يثير مخاوف بشأن تآكل الحريات الشخصية ومبادئ حرية التعبير الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية؛ ما قد يبدو في البداية إجراءً وقائيًا، تحول سريعًا إلى أداة لإسكات الأصوات المعارضة، ما عزز مجتمعًا تسود فيه النزعة التوافقية على حساب حرية الفكر. علاوة على ذلك، غالبًا ما يؤدي الشحن العاطفي المحيط بقضايا التمييز إلى استقطاب الرأي العام. قد يتسبب المدافعون عن حماية فئات معينة، دون قصد، في نفور أفراد من خلفيات أخرى يشعرون بالتهميش نتيجة التركيز على حماية الأقليات، كما يمكن أن يؤدي هذا التفاعل إلى ردود فعل عكسية ضد المجتمعات التي تهدف هذه القوانين لحمايتها، ما يخلق بيئة يسودها العداء بدلًا من بيئة تعزز التفاهم والوئام الذي ينشدونه في الأساس. وبهذه الطريقة، قد تُؤدي القوانين، حتى وإن كانت بنوايا حسنة - ولو أنه من الواضح أن النوايا الحسنة نحو فئة معينة فقط- إلى تعميق الانقسامات، وخلق العداء بين فئات المجتمع. إضافة إلى ذلك، مع سنّ هذا الكم الهائل من القوانين الجديدة التي تستهدف حسب معاييرهم ما يسمى «معاداة السامية»، أصبح تعريف خطاب الكراهية أكثر تعقيدًا، حيث تسبب في تغير المعايير القانونية، وأربك المواطنين بشأن التعبيرات المسموح بها، وهذا الغموض لا يُؤجج الخوف بين المواطنين فحسب، بل قد يُتيح أيضًا فرصًا لإساءة استخدام القانون أو تفسيره بشكل خاطئ كما حدث في المثال الذي ذكرته صدر المقالة، ما قد يُؤدي إلى تجاوزات محتملة للسلطة من قِبل الأفراد أو المنظمات التي تُطالب بإنفاذ القانون. نتيجةً لذلك، قد يؤدي رد الفعل العنيف تجاه ما يُعتبر تجاوزًا للصلاحيات إلى زيادة دعم الحركات المناهضة لهذه القوانين، مدفوعةً في كثير من الأحيان بمشاعر الدفاع عن حرية التعبير مهما كلف الأمر. قد يُضعف هذا الشعور الهدف الأصلي المتمثل في حماية المجتمعات المهمشة، إذ قد يتظاهر الأفراد ضد هذه القوانين تحت راية حرية التعبير، ما يُسهم دون قصد في إدامة التحيز الذي سعت هذه القوانين إلى مكافحته: وهكذا تستمر الدائرة المفرغة، حيث يتشابك الهدف الأولي المتمثل في تعزيز الأمن مع الدفاع عن الحريات، ما يُولّد احتكاكًا يُعقّد الحوار. يُجسّد هذا الوضع نقدًا أوسع للفكر الليبرالي: وهو أن القوانين المصممة لحماية حقوق مُحددة قد تنتهك، دون قصد، حقوق الآخرين. فالمفروض الموازنة بدقة بين القوانين التي تهدف إلى حماية المجتمعات الضعيفة وضرورة صون الحريات الفردية للمجتمع ككل، وعندما تأتي حماية فئة ما على حساب حقوق فئة أخرى، يزداد احتمال نشوب خلافات اجتماعية، ما يُقوّض المبادئ الأساسية للحرية والعدالة للجميع. وهنا أصل إلى المراد من كل ما ذكرت؛ يُؤكد التفاعل بين التشريعات الحمائية والحقوق الفردية على صحة المقولة بأن «الليبرالية تُنتج دائمًا عكس ما تُعلنه تمامًا»، فالطريق إلى مجتمع عادل ومنصف يتطلب دراسة متأنية لتداعيات القوانين التي تهدف إلى حماية فئات معينة، بما يضمن عدم التضحية بالحرية في سبيل تحقيق الخير. ومن أجل المضي قدمًا، من الأهمية بمكان الانخراط في حوار بنّاء يحترم وجهات النظر المتنوعة، مع الحفاظ على المبادئ الأساسية للحرية التي تُشكل حجر الزاوية للمجتمع الذي يريد أن يظهر بأنه ديمقراطي ويرغب في تصدير ديمقراطيته إلى مجتمعات العالم، بل الأحرى أن نقول أن يدفعها إلى داخل حلوق البشر.الليبرالية تنتج عكس ما تدعيه
مواضيع ذات صلة

