في الرياض لم نعد نستنكر أن طريقاً لا تتجاوز مسافته عشرة كيلومترات قد يلتهم ساعة كاملة من يومك، في مشهد يتكرر بشكل شبه يومي على امتداد الطريق الدائري، وعند بعض تقاطعاته سيئة الذكر، حيث تتحول السيارة إلى جزء من يومك، ويتحوّل الوقت إلى كلفة مرهقة تُدفع من أعصاب الناس وإنتاجيتهم وجودة حياتهم.
الزحام في شوارع الرياض لم يعد مجرد مسألة عجز في البنية التحتية أو زيادة في عدد المركبات والبشر، بل ظاهرة متشابكة حتى أصبحت الساعات في الطرق جزءاً من الحياة اليومية للناس، كما هي أوقات المنزل والعمل في الحكايات اليومية. فمقعد السائق أصبح في مكانة سرير النوم وأريكة الصالة وكرسي العمل، ويمكن أن يُستثمر كمادة سردية تكشف كيف يتصالح الناس مع مدينتهم. بماذا يفكر موظف عالق بين مخرجين؟ وكيف تدير موظفة بيتها بين إشارة وأخرى؟ وكيف يخطط طالب جامعي لمستقبله بينما الوقت ينفد؟ فيتحوّل الطريق إلى استوديو متنقل، مثل برنامج Comedians in Cars Getting Coffee الذي قدمه جيري ساينفيلد، حيث يجلس الضيف إلى جواره داخل سيارة، ويدور الحديث خلال الرحلة حتى الوصول إلى المقهى، كما أنتجت شركات إعلامية أوروبية وحتى عربية أعمالاً تُصوَّر داخل السيارة، من خلال أحاديث عفوية بين السائق والمذيع.
وفي ظل الاتجاه القوي لبرامج البودكاست والإقبال الكبير عليها، فإن مادة كهذه ستحمل عشرات الحكايات والأفكار والرسائل التي تتفق جميعها على أن الزحام المروري يمكن أن يكون محفزاً للحكايات، وأن الحكايات ستستمر في تتبع الزحام حتى ينتهي أو تنتهي حكايات الناس. وربما مع تسلسل الحكايات والتجارب تصبح الطرق مساحة اجتماعية نابضة تكشف مزاج المدينة والناس، عبر بودكاست مصوّر بعنوان "شوارع الرياض"، يرافق فيه المذيع أحد سكان العاصمة في رحلته اليومية من منزله إلى عمله أو جامعته دون إعداد مسبق، ودون أجوبة نموذجية.
لقد تصالح سكان العاصمة مع الأزمة، وأصبح حديثهم عن الزحام المروري بديلاً لأحاديث المجاملات عن الطقس.. والزحام في هذا البرنامج لن يكون جوهر الموضوع، بل نافذة لفهم كيف تتكيّف مدينة بحجم الرياض مع نموها المتسارع وزحامها المتفاقم، وكيف يبرر سكانها هذه الساعات المهدرة أو كيف يتصالحون معها.

