: آخر تحديث

ماذا بعد عاصفة الرسوم الجمركية ؟

3
2
2

محمد سليمان العنقري

الثاني من أبريل، تاريخ لن يُنسى في الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية، بعد أن أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حزمة رسوم جمركية شملت 180دولة وكيانا في سابقة تاريخية، وكانت ردة الفعل في أسواق المال عنيفة جداً فقد خسرت الاسهم الامريكية 6 تريليونات دولار في يومين فقط، وكذلك الاسواق الاوروبية والآسيوية والشرق أوسطية جميعها هبطت بنسب عالية.

وعلى الصعيد الدولي، فقد بدأت الدول التي استهدفت برسوم مرتفعة باجراء مماثل، فقد أقرت الصين رسوما على السلع الامريكية مماثلة للرسوم الامريكية الجديدة عند 34 بالمائة، كما اقرت كندا رسوما بالمثل عند 25 بالمائة، وينتظر ان تعلن دول الاتحاد الاوروبي عن ردها برسوم موازية لما اقر عليها من أميركا في منتصف ابريل الجاري.

لكن إذا كانت الرسوم ستؤدي بديهياً للتضخم وارتفاع تكلفة المعيشة على المستهلك الامريكي والذي يشكل إنفاقه تأثيراً يقارب 70 بالمائة في الناتج الامريكي، كما أن النتيجة الحتمية هي ركود اقتصادي وقد يرافقه تضخم ليكون بذلك ورقة سلبية جداً ضد الرئيس ترمب والحزب الجمهوري، وقد تؤدي هذه التداعيات لخسارة مدوية في الانتخابات القادمة للكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ بعد أقل من عامين، فلماذا يقدم على مثل هذه القرارات السلبية على فترة حكمه ؟

فإصلاح الأضرار الاقتصادية سيأخذ وقتا ليس بالقصير، ولن يكون في صالح حكومة الجمهوريين، وفي حال فوز الديمقراطيين بأغلبية بالمجلسين سيحيل ذلك الرئيس لمرحلة البطة العرجاء مبكراً أي أنه سيكون أمام عوائق عديدة في تمرير أي قرار في الكونجرس وسيحد ذلك من صلاحياته وقدراته في تحقيق أهدافه التي وعد الناخبين بها، بل سيكون ذلك فرصة لعودة الديمقراطيين للحكم في الانتخابات الرئاسية القادمة.

ولذلك فمن غير المنطقي أن يتخذ الرئيس ترمب قرارات تضره، ويصبح كمن يطلق الرصاصة على قدمه، فمن الواضح أن ما اتخذه هو قرار سياسي بأدوات اقتصادية ليبقي اميركا الاقوى بالعالم عن طريق معالجة دينها المتضخم جداً والبالغ 36،5 تريليون دولار مع خدمة دين سنوية عند 1،3 تريليون دولا؛ اي قرابة ثلث الموازنة الفيدرالية.

ويعتبر ترمب أن العجز التجاري الذي بلغ 1،2 تريليون للعام الماضي ويتكرر سنويا منذ سنوات طويلة هو السبب مما دعاه لاتخاذ هذا الخيار فاميركا بشكل مبسط تنفق اكثر مما تنتج، ولذلك هو يريد عودة المصانع لبلاده لزيادة الطاقة الاستيعابية مما يتيح تقليل الواردات وزيادة الصادرات والقضاء على العجز التجاري فاميركا لو استمرت بنهجها الحالي فلن تكون الدولة الاولى عالمياً سياسياً او عسكرياً او اقتصادياً فستخسر هذا الموقع لصالح الصين غالباً واوروبا بدرجة أقل في بحر عشرة أعوام تقريباً إذ سيتقلص إنفاقها ونموها الاقتصادي سيتراجع لفترة طويلة وستضطر للانسحاب من قواعد عسكرية عديدة خارجيا، وهذا سيقلص نفوذها الدولي، إضافة لتراجع حجم اقتصادها وتاثير ذلك على دخل الفرد، وبالتالي هجرة رؤوس الاموال منها وتراجع اهمية الدولار عالميا بالتجارة الدولية او بسوق الائتمان او الاحتياطي النقدي للدول.

ولكن يبقى السؤال: ماذا بعد الرسوم ؟

بدايةً لا يعتمد الركود الاقتصادي رسمياً الا بعد ربعين متتالين من الركود وهذا لم يحدث حالياً مما يعني ان الرسوم ستكون ورقة تفاوضية ويعتقد الرئيس ترمب وفريقه الاقتصادي ان الدول التي يستهدفونها فعلياً برسوم عالية والتي تعد اكبر المصدرين لاسواق اميركا ستضطر للتفاوض والتوصل لاتفاقيات سريعاً بما يحقق مصالح الطرفين لانهم غير جاهزين لخطط بديلة عن السوق الامريكي نظراً لضخامته ولحجم صادراتهم الكبير له فتعويض المستهلك الامريكي يحتاج لسنوات، ولذلك المتوقع خلال شهور قليلة أن يتوصل الامريكيون لاتفاقيات مع أغلب الدول التي يشكل السوق الامريكي لها النسبة الاكبر من صادراتها، مثل الصين واوروبا وكندا والمكسيك وفيتنام واليابان وكوريا وبريطانيا؛ فهذا الاحتمال يبدو هو الأقرب للتحقق وقريباً جدا سنسمع عن تحركات سريعة بهذا الشأن وبالتأكيد يضع فريق ترمب مدة زمنية لن يتجاوزوها لتحقيق هذا الهدف بعقد اتفاقيات جديدة تبدا بتعطيل تطبيق الرسوم كحسن نية والتوصل سريعاً قبل نهاية هذا العام تقريباً لاتفاقيات جديدة تنهي هذا الملف ويحقق معها ترمب هدفه بجذب كبرى الشركات للتصنيع داخل بلاده من جديد، وكذلك زيادة ايرادات الخزينة مع تقليص بالعجز التجاري تدريجياً وكذلك بالميزانية الفيدرالية وهو ما سيبطئ نمو الدين السيادي مبدئياً.

الرئيس ترمب يتحرك ضمن ركائز ثلاث حددت سياسته عامة، وسبق ان تناولتها بمقال قبل أن يؤدي القسم الرئاسي بأيام وهي: الدين السيادي، والعجز التجاري، وعجز الميزانية، وكل سياساته وقراراته وتوجهاته الداخلية والخارجية تتمحور حولها؛ لأنها خطر كبير على مكانة بلاده مستقبلاً فقد كان يقول بولايته الاولى « اميركا قوية وعظيمة اما حالياً فيقول نريد عودة اميركا عظيمة» أي انها افتقدت للمساحة الواسعة بسياستها النقدية والمالية حيث نفذت أغلب ذخيرتها بالسنوات الماضية بعهد الرئيس بايدن ولذلك لم يعد بالامكان استخدام أي منها بأريحية؛ لأنها تعني مزيدا من نمو الدين السيادي والتوسع بالعجز التجاري وبالميزانية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد