محمد سليمان العنقري
شهد يوم الجمعة الماضي توقبع اتفاقية دفاعية بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان هدفها الردع لحماية أمن الدول الثلاث من أي اعتداء عليها والذي يعزِّز الاستقرار في المنطقة، فالأحداث الحالية والسابقة والتطورات المتلاحقة منذ ثلاثة عقود في العالم فتحت الباب على توجهات جديدة تشمل نظرة إستراتيجية مستقبلية لإعادة رسم خطوط سلاسل الإمداد وكذلك حماية أمن الشرق الأوسط الكبير وفرض السلم والاستقرار فيه دعماً لتحقيق مستهدفات الدول الثلاث بالتنمية والازدهار الاقتصادي والذي بدوره سينعكس إيجاباً على المنطقة.
لكن عند مراجعة ما صدر من تصريحات رسمية من الدول الثلاث حول الاتفاقية بينت أنها نتاج عمل استمر لسنوات وأن هذه الاتفاقية تماثل الفقرة الخامسة من اتفاقية حلف الناتو بحسب ما ذكره وزير خارجية تركيا وهذه الفقرة تنص بحسب ما هو منشور عن حلف شمال الأطلسي على «أن الهجوم المسلح ضد أحد أعضاء الناتو يعتبر هجوماً ضد جميع الأعضاء، ويترتب عليه التزام كل عضو بتقديم المساعدة، وقد تتضمن هذه المساعدة استخدام القوة المسلحة أو لا تتضمنها، ويمكن أن تشمل أي إجراءات يراها الحلفاء ضرورية لاستعادة الأمن والحفاظ عليه في منطقة شمال الأطلسي».
فهذه الاتفاقية تخص الدول الثلاث وهي للردع ضد أي عدوان على إحداها وللمساهمة بالتهدئة بالمنطقة.
لكن بما أن هذه الاتفاقية نتاج عمل سنوات فماذا يقرأ منها إذا كانت قد استبقت بفكرتها الحرب الحالية بالمنطقة فالحقيقة أن العالم بدأ يتغير منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، فمعادلة الشرق الأوسط الكبير الجديد الذي يتشكل حالياً وتحرك دوله لتكون أكبر استفادة من النظام العالمي الجديد الذي يشهد تحولات كبرى بمراكز القوى وأقطابها تتطلب من دول المنطقة بالضرورة التحرك نحو بناء إستراتيجية دفاعية مختلفة، فالدول الثلاث هي من الأكبر والأقوى عسكرياً واقتصادياً وسكانياً وبمساحة جغرافية كبيرة ومنافذ بحرية متعددة مفتوحة على عدة قارات إضافة لحجم اقتصاداتها الذي يقارب 3.5 تريليون دولار.
ولذلك فإن السعودية وتركيا وباكستان قرأت المستقبل وأنه يجب ألا يحدث فراغ أمني بالمنطقة، وأن لا يترك الباب مفتوحاً لتفاقم أي أزمات مستقبلية من خلال التأسيس لعمل دفاعي تقوده دول المنطقة، فبحسب ما ذكر من تصريحات رسمية فإن الباب مفتوح لانضمام أي دولة بالمنطقة تلبي متطلبات الاتفاقية، فهذا النهج الجديد يؤسس عملياً لشرق أوسط مزدهر بقيادة دول كبرى فيه وتمتلك مجتمعةً كل أسلحة الردع لفرض التهدئة والاستقرار والسلم بالشرق الأوسط لأنها مبنية على مصالح حقيقية مشتركة لتحمي مكاسب الدول الثلاث الاقتصادية ومستهدفاتها في التنمية والشراكات بينها من خلال ترابط شبكة الخطوط البحرية والجوية والبرية والقطارات لتعزيز حركة التجارة بينها وتعظيم حجم اقتصاداتها وخلق سوق ضخمة بينها.
استغراب وصدمة بعض المحللين العرب الغارقين بفكر مرحلة الحرب الباردة وما كان رائجاً فيها من أيديولوجيات وتوجهات لم تكن مفاجئة من توقعهم عدم تفعيل الاتفاقية بإسقاطات على معاهدات واتفاقيات سابقة في المنطقة حدثت بالقرن الماضي كانت تحكمها ظروف مختلفة ونظام عالمي بقطبين فهذا الحكم المسبق والمتسرع والمبني على قصور واضح بفهم عالمنا الجديد يعد تأخراً في فهم التحولات الحالية، وكيف تتشكل المصالح في الزمن الحالي الذي يقوم على الاقتصاد والشراكات وتبادل الاستثمارات فالمرحلة الحالية والقادمة توسع فيها مفهوم الأمن القومي ليشمل الشرق الأوسط الكبير الذي بدوره لا يتعارض مع أي اتفاقيات ثنائية أو إقليمية.

