ناهد الأغا
في ليلة من ليالي فبراير الرطبة، وصلتني دعوة جميلة برسالة كانت كافية لتبدّل مزاج المساء؛ يسعدنا دعوتكم لزيارة حي هوا.. وجهة مسائية مميزة، تتنوع فعالياتها ومناطقها وأنشطتها؛ لتغطي اهتمامات الزوار والضيوف كافة، افتُتح حي هوا في ميادين الدرعية، ليقدّم تجربة مختلفة في حيٌ ينبض بالفن، ويحتفي بالإنسان، ويعيد تعريف الفضاءات العامة بوصفها منصات للثقافة، ومرافئ للروح.
مشهد يجعل من الموقع مسرحاً فنياً ووجهة مفتوحة للدهشة والاكتشاف، لا أخفي وقتها، نفسي المتعبة لربما تحتاج إلى عذر كي تبقى في الدفء، لكن كلمة ساحة النحت المفتوحة في آخر الرسالة - حيث يُنفذ الفن أمام الجمهور - أمسكت بيدي وسحبتني إلى هناك وما إن تجاوزت البوابة حتى انكشف عالم مختلف، كل شيء كان: مرتباً بدقة فنان يهتم بالتفاصيل، منظما ًبتناغم في ألوانه وإضاءته ومساحاته وتصميم حديث يحترم الخطوط التراثية، إضاءة دافئة تُبرز جمال الطين، مسارات واضحة تدفعك لاكتشاف أكثر دون أن تضيع.
وبدأت تجوالي وقفت أمام عروضات كانت تحكي قصصا ًبالقماش، عباءات سعودية تتحدث بلغة العصر دون أن تنسى أصالتها، قطع كلاسيكية بأقمشة عصرية، تطريز تراثي بتقنيات حديثة وكثير من تفاصيل تُجسّد عمق التراث السعودي وجماله المتجدد..
ضيافة تتحدث بلغة الكرم، القهوة السعودية، وزوايا التمر بأنواعه والتي تروي تاريخ الواحات وأطباق تحمل نكهات مميزة وسط هذا الجو الساحر، توجهت إلى منطقة كانت مختلفة تماماً في طاقتها، هي ساحة النحت المفتوحة، وهي الجزء الأكثر عمقًا في «حي هواء».
جائزة عبدالمنعم الراشد: حيث يصبح الفن حوارًا مرئيًا يشارك فيها 13 نحاتًا مبدعًا ويستطيع الزوار متابعة كل حركة، كل خط، وكل انحناءة في استديو العمل المفتوح مولدًا الإبداع أمام أعينك، والفن يتحول من فكرة إلى شكل، ومن خيال إلى واقع ملموس وتوجهنا إلى المسرح بعد ذلك كانت الفرقة الموسيقية العربية تنتظر لحظتها، آلاتها مصطفّة كأصدقاء قدامى، يعرفون بعضهم دون كلام. عودٌ يتنفس، قانونٌ يلمع كذاكرة شرقية، نايٌ طويل الحنين، وإيقاع يعرف متى يحتضن اللحن ومتى يتركه يحلّق، ثم جاء المطر. قطرات خفيفة، شفافة، تتساقط فوق الأضواء فتكسرها إلى حكايات صغيرة، لم يغادر أحد، ولم تتوقف الموسيقى. وحده الصمت القصير الذي سبق اللحظة جعلها أعمق، تقدّم المنظمون بهدوء، يوزّعون المظلات على الحضور، كلفتة إنسانية، مظلات داكنة تحولت سريعا ًإلى قباب صغيرة تحمي الدفء أكثر مما تحمي من البلل والأيدي تمتد بالشكر، والابتسامات تزداد صدقًا، كأن المطر كشف الوجه الحقيقي للفرح.
وفي ميادين، تحت المظلات، وبين الألحان العربية التي تعرف أجمل الطرق إلى الروح، أدركنا أن بعض الأمسيات لا تُنسى، وهذا تحديدًا ما تتميّز به المملكة العربية السعودية اليوم؛ قدرتها على صناعة وجهات ثقافية حيّة، تحتفي بالتنوع، وتفتح المجال للإبداع المحلي ليكون في الواجهة، ان ربط الثقافة بالترفيه، وبالاقتصاد الإبداعي، وبالفضاء العام، هو أحد أهم إنجازات الرؤية؛ لأنه يخلق أثراً مستداماً، ويُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وفي هذا السياق، تكون التجربة الثقافية جزءًا من ذاكرة الإنسان.
وأخيرا ً
الفن والثقافة يستحقان التحية، حقًا..
إنهما لغة الروح حين يعجز الكلام عن التعبير،
ونهجٌ يفتح القلب على مفاتيح الحياة التي كثيرًا ما تغلقها الصخب والضوضاء.
الفن والثقافة يخلدان لحظات الجمال
يجعلان للعين وقتًا لتتأمل، وللقلب فسحة ليحلم.
وهكذا، حين يغلق المساء ستاره على ميادين الدرعية، ويبقى صدى الموسيقى، وضوء الفن، وهمس الروح، يمنح القلب مساحة ليحلم من جديد..
مساحة يملؤها الفن، وتُحييها الثقافة..

