: آخر تحديث

جائزة صنَّاع المحتوى

2
2
2

تغريد إبراهيم الطاسان

لم يكن فوزي بجائزة صناعة المحتوى في نسختها الخامسة، في مسار التميز في طرح الموضوعات الوطنية والمجتمعية الهامة، حدثًا عابرًا في حياتي.. بل كان لحظة فرح عميق بوعي نعيشه يؤمن بأن الكلمة حين تُصان، تُصان معها الأوطان.. وأن المحتوى حين يُبنى على قيمة، يصبح جدارًا منيعًا في وجه التيه الرقمي.

هذا التكريم الذي جاء برعاية كريمة من سمو الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز.. أمير منطقة القصيم -حفظه الله- وبحضور سمو نائبه الأمير فهد بن سعد بن فيصل -حفظه الله- لم يكن احتفاءً بأشخاص، بل احتفاءً بأفكار ولمحتوى راقً.. يعلي شأن الكلمة المسؤولة والمحتوى الهادف الذي يعتبر جزء من الأمن الوطني والمجتمعي، ومؤكداً أن صناعة المحتوى لم تعد ترفًا ثقافيًا، بل مسؤولية حضارية ووطنية.. في زمن العولمة الرقمية، حيث تتدفق الأفكار بلا حدود، وتتزاحم الهويات على شاشاتٍ صغيرة، فيصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف نحقق أمناً فكريا يواجه كل التحديات ويصون الهوية الدينية والوطنية والمجتمعية بشكل يحول الانفتاح على العالم الرقمي إلى فرص تستغل لتبني.. لا إلى انصهار يهدم؟

ما نعيشه اليوم ليس مجرد ثورة تقنية، بل تحوّل في أنماط الوعي والانتماء. هي ثورة رقمية لا يمكننا تجاهلها إن أردنا تنمية شاملة ومستدامة تستخدم مستجدات العصر وتتكلم بلغته.. ولكنها ككل شيء له ايجابياته وسلبياته..

لذلك كانت قيادتنا الحكيمة -حفظها الله- سبّاقة في إدراك أن الانفتاح الرقمي لا يُواجَه بالانغلاق، بل بالتمكين. وأنه لا يُقاوَم بالخوف، بل ببناء خطاب رصين، ومحتوى واعٍ، واثق من جذوره، قادر على المنافسة دون أن يفقد بوصلته.

لقد أثبتت التجربة الوطنية أن الاستثمار في الإنسان الواعي، وفي المحتوى المسؤول، هو أحد أركان الأمن الفكري؛ فالأمن لا يُختزل في حماية الحدود، بل يمتد إلى حماية العقول من التشويش، والهوية من الطمس، والانتماء من التآكل البطيء الذي قد تُحدثه الرسائل المموهة في فضاء مفتوح بلا ضوابط.

ومن هنا، تتجلى الرؤية الثاقبة في دعم المبادرات التي تعزز الطرح الوطني المتزن، وتسلّط الضوء على القضايا المجتمعية بروح إصلاحية لا تصادمية، وبنَفَس بنائي لا هدمي. إن هذا الحرص الكريم على تشجيع المحتوى الجيد، هو في جوهره حرص على أن يكون المجتمع شريكًا في صناعة وعيه، لا مستهلكًا سلبيًا لما يُبث إليه.

لقد تعلمنا من قيادتنا أن الاعتزاز بالهوية الدينية والوطنية لا يتعارض مع الانفتاح، بل يُحصّنه، وأن الثقة بالذات الحضارية هي الشرط الأول لأي حضور عالمي محترم. فالهوية ليست جدارًا يفصلنا عن العالم، بل هي جذر يثبتنا فيه.

بناءً على كل هذا فالفرح بجائزة صناعة المحتوى التي تشرفت بها من سمو أمير القصيم أقرأه بوصفه رسالة ومسؤولية بقدر ما هو وسامًا شُرفت به.. رسالة تقول إن الكلمة الصادقة مسموعة، وأن الطرح المتزن مقدّر، وإن الوطن والقيادة الغالية تحتفي بأبنائها الذين يختارون أن يكونوا جسورًا للوعي لا منصات للضجيج.

أخيراً وليس آخراً

ممتنةً لمنطقة أنتمي إليها وأفخر بها.. القصيم، التي علّمتني أن البساطة لا تعني السطحية، وأن الأصالة لا تتناقض مع الطموح، وأن الاعتدال قيمة تُمارس قبل أن تُقال.

شكري وامتناني لسمو أمير منطقة القصيم صاحب السمو الملكي الدكتور فيصل بن سعود بن عبدالعزيز، ولسمو نائبه صاحب السمو الأمير فهد بن سعد بن فيصل بن سعد.. على هذا الدعم الكريم الذي يعكس إيمانًا عميقًا بأن صناعة المحتوى ليست مسألة تقنية، بل مشروع وطني طويل الأمد.

ومعه يتجدد العهد بأن تكون الكلمة أمانة، وأن يكون الطرح مسؤولًا، وأن يبقى المحتوى جسرًا بين الأصالة والمعاصرة، لا معبرًا إلى فقدان الذات.

في زمن تتغير فيه الشاشات بسرعة..

يبقى الوطن هو الثابت..

وتبقى الهوية هي البوصلة..

ويبقى الأمن الفكري هو السياج الذي يحمي مستقبل أجيالنا في ظل العولمة الرقمية.

وما بين التكريم والمسؤولية.. يكون الالتزام واجباً لا اختيار لأن الجائزة الحقيقية.. أن نبقى في حضن هذا الوطن الغالي محافظين على أمان فكره، وقوة هويته، وعلوٍ مستدامٍ بقيمه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد