عماد الدين حسين
الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على السيارات وقطع الغيار المستوردة، إشارة قاتلة للتجارة الحرة القائمة على القواعد، وستضر بالشركات وسلاسل التوريد العالمية والمستهلكين.
العبارة السابقة جاءت في تعليق لرابطة صناعة السيارات في ألمانيا رداً على قرار ترامب بفرض رسوم بنسبة 25% على جميع السيارات وقطع الغيار غير المصنعة في أمريكا، والهدف كما قال: «استعادة صناعتنا المحلية وإيقاف النزيف».
في تقدير الخبراء والمحللين، فإن العالم بصدد فصل جديد من الحرب التجارية المشتعلة بين أمريكا والعالم، خصوصاً حلفاءها التجاريين، وبالأخص أوروبا وكندا، ووصل الأمر بترامب إلى تهديدهما بزيادة الرسوم الجمركية حال تعاونهما معاً لإلحاق الضرر بالولايات المتحدة.
قرارات ترامب وجهت صدمة لأسواق السيارات، خصوصاً في أوروبا، وبالأخص في ألمانيا، وغالبية أسهم السيارات الأوروبية والآسيوية شهدت انخفاضات واضحة.
في تحليل لافت لـ«بلومبيرغ إنتلجنس» فإن شركتي بورش ومرسيدس بنز غروب خسرتا 3.7 مليارات دولار بسبب تعريفات ترامب، الأمر الذي سيؤدي إلى خسارة ربع الأرباح التشغيلية المتوقعة للشركتين العام المقبل.
السؤال الطبيعي: لماذا هذه الخسائر لشركات السيارات الأوروبية خصوصاً «الألمانية»؟ الإجابة ببساطة لأن السوق الأمريكية هي أكبر سوق للسيارات الأوروبية.
طبقاً للأرقام، فإن سيارات بورشه مثلاً التي واجهت مشاكل في المبيعات في الصين، مؤخراً، ظلت منتعشة وقوية في أمريكا طوال 15 عاماً، لكن بعد قرارات ترامب فإن الشركات الأوروبية ستواجه أوضاعاً صعبة.
الأمر الذي دعا رئيسة رابطة صناعة السيارات الألمانية إلى إجراء مفاوضات فورية بين أوروبا وأمريكا للتوصل إلى اتفاق يوقف هذه الحرب.
وكان هناك رقم لافت للنظر يقول إن الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا سيتراجع بنسبة 0.18% في العام الأول بعد تطبيق الرسوم، وسينخفض في المكسيك بـ 1.8، وفي كندا بـ 0.6%.
والمتوقع أن التعريفات الجمركية ستؤدي إلى ارتفاع أسعار السيارات بنسبة توازي نسبة الرسوم، ما سيؤثر في حجم المبيعات أولاً، وربحية الشركات ثانياً.
مالك شركة تسلا المعروفة، إيلون ماسك، الأقرب الآن إلى ترامب، قال في منشور على منصته «إكس»: «من المهم الإشارة إلى أن تسلا لم تسلم من الضرر»، لكن مراقبين يشككون بقولهم إن ارتفاع أسعار السيارات الأجنبية المستوردة سيشجع السيارات المصنعة محلياً، ومن بينها تسلا.
خصوصاً أن ترامب أعلن بوضوح أن أي أمريكي سيشتري سيارة أمريكية أو مصنعة داخل أمريكا سيحظى بحوافز وتخفيضات ضريبية.
واللافت أن جمعية شركات صناعة السيارات الأمريكية حذرت من ضرورة ألا تؤدي الرسوم إلى ارتفاع الأسعار للمستهلكين وتحافظ على تنافسية القطاع في أمريكا الشمالية. والمؤكد أن قرارات ترامب كتلت كل الدول الكبرى المصنعة للسيارات ضده.
الصين قالت على لسان الناطق باسم خارجيتها: «لا رابح في حرب تجارية أو جمركية، لا يتحقق النمو والازدهار لأي دولة من خلال فرض رسوم جمركية».
والمعنى نفسه جاء على لسان رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، حيث قالت: «أعبر عن بالغ أسفي للقرارات، وهي ضارة بالأعمال التجارية وأسوأ للمستهلكين في أمريكا، وسنواصل السعي لحلول تفاوضية تحفظ مصالح أوروبا».
ووصفت اليابان القرارات بأنها مؤسفة للغاية وستكون لها تداعيات كبيرة على العلاقات التجارية والاقتصاد العالمي، وأنها ستدرس كل الخيارات المتاحة لاتخاذ تدابير مناسبة.
أما رئيس الوزراء الكندي الجديد، مارك كارني، فقد وصف القرارات بأنها «هجوم مباشر على بلاده»، قائلاً: «الحرب التجارية تضر بالأمريكيين، وثقة المستهلك الأمريكي وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات». والمعنى نفسه كررته كوريا الجنوبية والبرازيل وبريطانيا.
المفارقة الأساسية في مسألة الرسوم الجمركية أنها تنسف من الأساس جوهر العولمة التي خرجت من أمريكا، وكانت سبباً أساسياً في تقدمها الاقتصادي، أما بقية المفارقة فهي أن الصين «الاشتراكية الشيوعية» هي التي تدافع عن هذه المنظمة التي يفترض أن تنظم التجارة بين دول العالم على أسس تقوم على التنافس الحر وانسياب التجارة وتدفقها بين الدول، وتقليل القيود والحمائية إلى أدنى درجة ممكنة.
ترامب يقول إن قراراته بغرض حماية الصناعة الأمريكية، وإنها أداة فعالة لإعادة إحياء الصناعة الأمريكية وزيادة الإيرادات. وبقية العالم يقول إنها ستتسبب في حرب تجارية عالمية، بل وستؤثر في المستهلك الأمريكي إن لم يكن اليوم فغداً.
علينا أن ننتظر لبعض الوقت حتى نرى النتائج على الأرض، فإما أن يثبت ترامب صحة نظريته وتتحسن الصناعة الأمريكية وتتم ترجمتها بأسعار أفضل وأرخص وترتفع شعبيته إلى عنان السماء، وإما أن يحدث العكس فينقلب عليه الجميع، حتى من انتخبوه.