محمد ناصر العطوان
تحت سماء مثقوبة بالصواريخ في غزة، يقف رجالٌ ونساءٌ وأطفالٌ بوجوه تعرف الغضب قبل الحروف.
كلّهم يحملون مفاتيح بيوت لم تعد موجودة، كلّهم يزرعون الخضار في شرفات من أسمنت مكسور.
كلّهم يردّدون جدائلَ من الذاكرة عن شواطئٍ لم يلمسوا رملها منذ طفولتهم، كلّهم يشربون ماء مالحاً من صهاريج صدئة.
عند الفجر، سيحفرون تحت الأنقاض بحثاً عن كتب مدرسية، بينما طائرات بلا طيار تُغني في الأعلى نشيد الموت.
سيخيطون ثيابهم من أشرعة قوارب إغاثية غارقة، ويصنعون ألعاباً لأطفالهم من علب طعام فارغة قدمتها دول خليجية تتسابق مَنْ الذي يُقدم أكثر.
في الليل، سيُطفئون الشموع كي لا تراهم الأقمار الصناعية، ويتحدّثون بصمت عن بحر يسمعهم لكنه صامت.
سيُقسّمون رغيف الخبز إلى أربعة عشر جزءاً، ويضحكون: «هكذا نتعلم الحساب قبل الجوع».
يقولون إنهم يبنون بيوتهم كل يوم من حجارة الدمار، لكنهم يعرفون أن القانون الدولي لا يحمي سوى الحجارة القديمة.
يقولون إن صبرهم بئرٌ لا قرار له، لكنهم يعلمون أن العالم يشرب من هذه البئر وينسى أصلها.
غداً، سيُولد طفل جديد في خيمة مبللة، سيسجّلونه في «سجلات الأحياء» بقلم رصاص، لأن الحبر هنا يُغسله المطر، أما الأسماء فتبقى—مثل أشجار الزيتون—تخترق الجدران وتصرخ:
«نحن لم نكن يوماً رقم شهيد فقط... نحن الذاكرة التي ستسقط كلّ الأقنعة». وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر.