: آخر تحديث

«قمة السبع».. والأمن العالمي

15
17
16
مواضيع ذات صلة

نعيش اليوم فترة تحول تاريخي بين عالم قديم يحتضر، وبداية عالم جديد بدأ يتبلور، ويظهر جلياً في أتون الحرب الأوكرانية التي تحمل في أحشائها بذور حرب عالمية كبرى، إن لم تكن بارزة في شكلها العسكري، إلا أنها أكثر وضوحاً في شقها الاقتصادي.

قد يبدو، حتى اللحظة أن أحد الطرفين لم يقل كلمته النهائية بعد، حيث لا يمكن لطرف من الأطراف المتواجهة أن يفرض رأيه على الدول الأخرى، ذلك إن كل دولة في العالم توجه بوصلتها بحثاً عن مصالحها، فقد تكون مصالحها السياسية مع طرف، بينما مصالحها السياسية مع الطرف الآخر، وقد تجد مصالحها الأساسية مع طرف دون الآخر، ومن هنا تنشأ التكتلات والأحلاف السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وفي هذا الظرف بالغ التعقيد، انعقدت قمة مجموعة السبع، لا من أجل معالجة الوضع الاقتصادي الدولي، باعتبار أنها مجموعة لدول تقدم نفسها بأنها «الأكثر تصنيعاً والأغنى في العالم»، بل من أجل مواجهة القطب الآسيوي الناشئ، والمتمثل في روسيا والصين والهند، وبعد قمم متعددة عقدتها المجموعة لفرض العقوبات ضد روسيا، انتقلت المجموعة إلى مواجهة الصين، فكانت قمة «هيروشيما»، يوم السبت الماضي، التي انعقدت في تلك المدينة التي دمرت بالقنبلة الذرية، وفي ذلك رسالة لمن يهمه الأمر.

 وقد أكدت المجموعة معارضتها لما أسمتها «أنشطة العسكرة» التي قالت إن الصين تمارسها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وأكدت تصميمها على تقليل المخاطر عبر إضعاف النفوذ الصيني على سلاسل التوريد الحساسة.  وحذرت المجموعة من «العسكرة» الصينية في بحر الصين الجنوبي، مشددة على أن «السلام والاستقرار» في مضيق تايوان «أساسيان» للأمن العالمي. بهذا التصريح الذي يبدو أقرب إلى التحذير، فإن مجموعة السبع قد دخلت، بلا جدال، حيز المواجهة المفتوحة مع الصين، إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا، وهناك دول فيها، مثل: ألمانيا وفرنسا، لها علاقات اقتصادية وتجارية قوية مع الصين.

وتعاني مختلف دول هذه المجموعة ديوناً ضخمة، وبدلاً من فتح قنوات الحوار والتواصل مع الصين التي تمثل أكبر اقتصاد ناشئ في العالم، فإن المجموعة تعمل على فتح حروب مختلفة معها، وهناك محاور عدة أكدتها المجموعة، وفي مقدمتها محاولة الصين التمدد في المحيط الهادئ، من خلال عقد اتفاقيات تعاون اقتصادي وتجاري مع دول هذا المحيط التي ظلت لسنوات طويلة تحت الهيمنة البريطانية والأمريكية.

 وأيضاً فإن أغلبية دول المحيط، والتي يبلغ عددها أربع عشرة دولة، تميل إلى تعميق التعاون مع الصين، لأنها لم تجد عناية كافية بها من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، وقد عقد وزير الخارجية الصيني، الشهر الماضي، اجتماعاً وزارياً بين الصين ودول المحيط الهادئ في فيجي. وكان ذلك الاجتماع بهدف تعميق التعاون بين الجانبين. وتخشى الولايات المتحدة من أن تتحول الصين إلى حليف رئيسي لتلك الدول، الأمر الذي يؤدي إلى إنهاء السيطرة الأمريكية على هذا المحيط، وبالتالي عزل أستراليا ونيوزيلاندا، الحليفين الرئيسيين في المنطقة إلى جانب اليابان. ومن هنا كان تركيز قمة هيروشيما على معارضة ما أسمتها «العسكرة الصينية لمنطقة المحيط الهادئ».

 وإذا كانت قمة هيروشيما تمثل رسالة واضحة للصين بأن دول المجموعة جاهزة للدخول في صراع مفتوح معها، فإن من المستبعد أن تستجيب الصين لمطالب المجموعة، ومن المتوقع أن يتعاظم الصراع، خصوصاً بين الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة، وبين الصين من جهة أخرى، فالصين لن توقف مساعيها لتوسيع علاقاتها مع دول المحيط الهادئ، ولن تتراجع عن جعل بحر الصين الجنوبي تحت إشرافها، لأن فقدانها السيطرة على هذا البحر سوف يجعلها شبه معزولة، فممر ملقة الدولي الذي يربطها مع غرب العالم موجود في هذا البحر، ولذلك، فإن الصين سوف تدافع عن مصالحها، حتى لو اضطرت إلى الدخول في مواجهة عسكرية.

 فهل لدى الولايات المتحدة قدرة على دحر قوة الصين، خاصة إذا دعمتها روسيا، كما تدعم الولايات المتحدة والغرب أوكرانيا؟ إذ تدرك روسيا أن الولايات المتحدة إذا تمكنت من إخضاع الصين فلن تقوى أي قوة أخرى على التصدي لها، ومن ثم فإن روسيا ستحاول، بكل ما أوتيت من قوة، ألا تنفرد الولايات المتحدة والغرب بالصين؛ لأن ذلك لا يعني اختفاء القطبية الثنائية في الكون فقط، وإنما يعني كذلك زحف الغرب لالتهام الدب الروسي. لكن يبقى السؤال الأهم هل يتحمل الاقتصاد الأمريكي المترهل، ومن ورائه الاقتصاد الأوربي الضعيف مواجهة الاقتصادين، الصيني والروسي، معاً؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد