باريس: اعتبر مستشار سابق للكرملين وخبير اقتصادي أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دمّر اقتصاد بلاده وقلّص عمر مسيرته السياسية من خلال غزو أوكرانيا.
ووصف خبير الاقتصاد المنفي البارز سيرغي غورييف الأربعاء، وهو مستشار سابق للكرملين والحكومة الروسية، الهجوم على أوكرانيا بأنه "سوء تقدير كبير" من قبل بوتين.
وقال في مقابلة مع فرانس برس إن الرئيس الروسي قامر إذ اعتقد أن بإمكان عملية عسكرية سريعة أن تزيد شعبيته في الداخل، لكن في غضون أسابيع، "دمّر" بوتين الاقتصاد الروسي وأحدث أزمة غير مسبوقة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي.
وأكّد "لم تكن السنوات الثماني الأخيرة عظيمة بالنسبة لروسيا -- كانت ثماني سنوات من الكساد. عدنا حاليا 20 إلى 30 عاما إلى الوراء من حيث مستويات الدخل والبنية الاقتصادية".
وأضاف "تمكّن بوتين من تدمير الاقتصاد الروسي في غضون أسابيع".
وتعهد بوتين الأربعاء سلسلة مساعدات مالية للأفراد والشركات، مؤكدا أن الغرب فشل في حربه الاقتصادية "الخاطفة" ضد روسيا.
وبينما أقر بأن الوضع "ليس سهلا" وبارتفاع معدلات التضخم، تعهد الرئيس الروسي زيادة "رواتب الموظفين الرسميين والمعاشات التقاعدية وإزالة العقبات الإدارية أمام الأعمال التجارية".
وبعدما كان مستشارا للرئيس الروسي السابق ورئيس الوزراء الحالي دميتري ميدفيديف وعميد الكلية الاقتصادية الجديدة المرموقة في موسكو، فرّ غورييف من روسيا عام 2013 خشية تعرّضه للاعتقال. وهو اليوم استاذ اقتصاد في "معهد الدراسات السياسية في باريس" (سيانس بو).
وقال لفرانس برس إنه حتى وإن كانت الرقابة واسعة النطاق والقمع تنجح في السيطرة على الاحتجاجات في الوقت الحالي، إلا أن "النظام بات أقل استقرارا وثباتا".
وأفاد "نحن حاليا في وضع مجهول تماما"، إذ تعني العقوبات بأن روسيا باتت منقطعة عن الاقتصاد العالمي وتواجه خطر نفاد قطع الغيار اللازمة للتصنيع.
يرى غورييف بأن بوتين كان يأمل بسيناريو أشبه باجتياح شبه جزيرة القرم الأوكرانية عام 2014، التي تمكّنت روسيا من ضمّها في غضون أيام في عملية غير دموية نسبيا.
لكن مغامرته عبر هذا الغزو جاءت بنتائج عكسية نظرا لقوة المقاومة الأوكرانية ووقوف الغرب صفا واحدا في الاتفاق على عقوبات مشددة.
وقال غورييف، الذي شارك في تأليف كتاب "Spin Dictators" الذي يسلّط الضوء على شخصيات استبدادية في العالم المعاصر، إن بوتين من خلال الغزو "قلّص في الواقع عمر نظامه السياسي".
وأكد أنه حتى قبل الغزو، كان الاقتصاد الروسي يتباطأ وشعبية بوتين تتراجع بينما ما زال خصمه الأبرز في الداخل أليكسي نافالني يشكّل تهديدا بالنسبة إليه حتى من خلف القضبان، من خلال حملات على وسائل التواصل الاجتماعي.
ولفت إلى أن "تنامي الشعور بالإنهاك من نظام بوتين، ولّد هذه الحاجة للقيام بأمر ما.. لذا قرر بوتين القيام بهذه المخاطرة وأساء التقدير".
ولدى سؤاله عن المدة التي يتوقّع بأن يصمد بوتين خلالها سياسيا، رد بالقول "من الصعب للغاية تنبّؤ مدى استدامة الأنظمة غير الديموقراطية. أحيانا تنتهي بين ليلة وضحاها، وأحيانا تدوم لعقود".
وأضاف "في نهاية المطاف، مصير هذا النظام أن يسقط إذ أنه لا يقدّم مستقبلا ويدمّر الخطط والمسارات المهنية ومداخيل واستثمارات عشرات ملايين الأشخاص".
وأكد "الناس غير راضين وسيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى تغيّر النظام".
وأطلق غورييف حملة "روسيا الحقيقية" True Russia بالاشتراك مع راقص الباليه الشهير ميخائيل باريشنيكوف وكاتب الروايات الخيالية بوريس أكونين تهدف لجمع الأموال من الروس لفائدة اللاجئين الأوكرانيين.
وأكد غورييف أنه كان من الضروري بأن تنضم أوروبا إلى الحظر الأميركي على شراء النفط الروسي، مشيرا إلى أنه بإمكان أسعار الطاقة المرتفعة حاليا أن تساعد بوتين على تعزيز موقعه.
وقال "من الضروري التوقف عن شراء النفط الروسي.. بأسعار النفط المرتفعة هذه، سيتمكّن من جمع المال للدفع لعناصر شرطته وجنوده ومرتزقته".
وأوضح "إذا كان الهدف من العقوبات هو وقف حرب بوتين، فلن يكون أمام أوروبا خيار سوى التوقف عن شراء النفط الروسي".
وأشار إلى أنه فيما بعد يجب على الغرب التحدث إلى "الصين لإشراكها في هذا الحظر النفطي".
وشدد على أن بوتين كان ضحية لنقاط الضعف في منظومته، كما انقطعت عنه المعلومات الصحيحة بسبب قمع وسائل الإعلام واعتماده على شخصيات تؤيّد قراراته مهما كانت، فضلًا عن ارتيابه شخصيًا من الإنترنت.
وقال غورييف "بالغ في تقدير قوة الجيش الروسي، وقلل من شأن تصميم الأوكرانيين على القتال كما استخف بوحدة الغرب".
وأكّد "يعني ذلك أنه غير مطلع (على الوضع). هذا ليس مجرّد خطأ طارئ، إنها من سمات النظام".


