الطاهر الحداد المفكر التونسي، وُلد في زمنٍ تونسيّ متحرك. الاستعمارُ الفرنسيُّ حرَّك مقصلتَه فوق الأرض، قَطع رؤوسَ العشرات، وفتحَ السجونَ ومارس سياسةَ التجويع. عمَّ الفقرُ والجوعُ والقمعُ والخوف. المقاومة المسلحة للاستعمار الفرنسي كانت مغامرةً لم يندفع لها إلا القليلُ من رجال القبائل (العروش)، خصوصاً في جنوب البلاد، حيث نشطت مجموعاتُ «الفلَّاقة». وهي مجموعاتٌ مسلحةٌ مقاتلةٌ يمكن تسميتُها بالفدائيين.
في مطلعِ القرن العشرين، وفي خضمّ الحربِ العالمية الأولى، شهدت تونس حراكاً سياسياً قادته نخبةٌ من الجيل الجديد. أسسوا الحزبَ الحرَّ الدستوريَّ التونسي، بقيادة عبدِ العزيز الثعالبي، كانَ من بينهم الشَّاب الطاهر الحداد. بعد إعلان الرئيس الأميركي وودرو ويلسون، في مؤتمر فرساي للسَّلام بباريس، حقَّ الشّعوب في تقريرِ مصيرها، توجَّه زعيمُ الحزب الحر الدستوريّ التونسي عبد العزيز الثعالبي إلى باريس، رفقةَ وفدٍ كبير من الحزب، للمطالبة باستقلالِ بلاده. بعد عودتِه إلى تونس جرى سجنُه وتعذيبُه، وفي النّهاية تقرَّرَ نفيُه خارجَ البلاد. ارتبط الطاهرُ الحداد مبكراً بالثعالبي الذي كانَ يقود الحركةَ السياسية التونسية. الثعالبي، خريجُ جامع الزيتونة، دعا مبكراً إلى مراجعةِ النصوص الدينية وإعادةِ تفسيرها، من منظور عقلاني حديث، فقد كانَ يعتقد أنَّ الإصلاحَ الاجتماعيَّ والوعيَ الفكري هما عاملان أساسيان في مقاومةِ الاستعمار الفرنسي. انضمَّ الحداد إلى مشروع الثعالبي السياسي والفكري. حُوكم الثعالبي بتهمةِ الإلحاد، إذ شنَّ عليه شيوخُ جامعِ الزيتونة حملةً واسعةً، لقيت مباركةً من طرف الحاكمِ الفرنسي، وجرى نفيُه خارجَ تونس، وكانَ الحدادُ الوحيدَ في توديعه بالميناءِ قبل صعودِه الباخرة.
من عبد العزيز الثعالبي إلى محمد علي الحامي: عاد محمد علي الحامي إلى تونس، بعد سنوات قضاها بألمانيا في الدراسة. حمل معه ما تعلمه واطلع عليه في ألمانيا وأوروبا، وتأثر بالصعود القومي للحركات الاجتماعية والنقابية. التقى به الطاهر الحداد، وانشدَّ بقوة إلى أفكاره. المجاعة كانت تطحن غالبيةَ الشعب التونسي. قام الحداد بحملة توعية كبيرة، يخطب في الجماهير ويكتب في الصحف، وشنَّ حملة عنيفة على الحاكم الفرنسي.
نشر الطاهر الحداد كتاب «العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية»، تمت مصادرة الكتاب بعد نشره سنة 1927، لكن الحداد لم يتوقف عن الكتابة في الصحف، طارحاً أفكاره حول الوضع الاجتماعي والاقتصادي والتعليم، والوضع المتردي للمرأة في تونس. ركَّز بعد ذلك اهتمامه على المرأة وكتب: «المرأة هي أم الإنسان، تحمله في بطنها وبين أحضانها، وتغذيه من دمها وقلبها، وتغمره بعواطفها، فإذا كنَّا نحتقر المرأة ولا نعبأ بما هي فيه من هوان وسقوط، فتلك صورة من احتقارنا لأنفسنا، وذلك هو السبب لما نحن فيه من سقوط». كتب الحداد عشرات المقالات عن الثقافة الخرافية التي تزدري المرأة. تحدث عن الزواج والطلاق والأبناء، وعالج في مقالاته الصحافية الطويلة، كل ما تعانيه المرأة التونسية آنذاك. كان يعمل في المحكمة الشرعية، ويعيش القضايا التي تتعلق بالقضايا الاجتماعية، وخاصة العائلية. دخل الحداد في جدل طويل مع شيوخ جامع الزيتونة حول الجانب الشرعي في قضايا المرأة، وطرح عليهم عشرات الأسئلة، لكنَّه لم يقتنع بما قدَّموه له من ردود. استفتى شيخَ الأزهر آنذاك في عدد من القضايا المتعلقة بالمرأة المسلمة، لكنَّ الشيخَ بخيت لم يرد عليه.
تأبَّط المثقف الطاهر الحداد موضوعَ المرأة التونسية، وهو يخوض معركة الإصلاح الاجتماعي، الذي اعتبره خط المواجهة الأول مع الاستعمار، وأنَّ المرأة الحرة القوية، هي الجسر الصلب الذي يعبره الوطن على طريق الحرية والاستقلال. صارت تلك هي معركة الطاهر الحداد التي وهب اهتمامَه لها.
توسع الحضور الاستعماري الفرنسي في تونس، اقتصادياً وثقافياً، وظهرت ملامحُ الزّي والسلوك الفرنسي في البلاد بين النساء. الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية، صارت هي القضية الأولى التي تعبأ الجهود للدفاع عنها. الشاعر أبو القاسم الشابي والكاتب علي الدوعاجي والمثقف الطاهر الحداد شكلوا المثلث الفكري والثقافي المنافح، عن الهوية التونسية العربية الإسلامية. الشابي بالشعر والدوعاجي بالقصة والحداد بالفكر.
سنة 1927، جمع الحداد ما كتبه حول المرأة ونشره في كتاب بعنوان «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، تناول فيه المساجلات التي جرت بينه وبين شيوخ جامع الزيتونة حول المرأة. حجاب المرأة ومنعها من الخروج من البيت، والطلاق وتعدد الزوجات والميراث. ذهب الطاهر الحداد إلى أنَّ كلَّ تلك القضايا يجب أن يكون للمرأة فيها الخيار، وأن يُعاد النظر في إعادة تقنينها، وأن يَحكمَ فيها القضاء. كتب الحداد، علينا أن نفهمَ ما جاءَ به القرآن، ومقاصد الدين وهي الحرية والعدل. شيوخ الزيتونة أدانوا الكتابَ والكاتبَ بالمروق على الدين. قاطعه الجميعُ الرجال والنساء، ومُنعَ توزيعُه. لاحق العوامُّ الحدادَ في الشارع. شتموه وضربوه ورموه بالحجارة، وهم يهتفون... الموتُ للكافر الملحد. ماتَ فقيراً مريضاً جريحاً. سارَ في جنازته ثمانيةُ أشخاصٍ فقط. بعد رحيلِه بعشرين سنة وترأس الحبيب بورقيبة رئاسةَ تونس، أصدرَ كلَّ أفكارِ الطاهر الحداد في قوانينَ نافذةٍ في البلاد.

