سواء أُجريت الانتخابات التشريعيّة اللبنانيّة في موعدها المقرر في مايو (أيار) المقبل أم تم تأجيلها لأسباب تقنية أو غير تقنيّة، فالقليل هو المأمول منها، مع الإشارة إلى أنه ليس هناك ما يبرر تأجيلها، ذلك أن نقاش التأجيل يسبق كل استحقاق دستوري وانتخابي في لبنان من دون أي سبب لذلك، وهو ما يعكس، في مكان ما، هشاشة «الديمقراطية اللبنانيّة».
كثيرة هي عثرات هذه «الديمقراطية»: من اللوثة الطائفيّة والمذهبيّة التي تعطّل النظام السياسي وتحوله إلى نظام مقيت من المحاصصة والزبائنيّة، إلى الانقسام السياسي الذي يترجم نفسه بإسقاط الأعراف والأحكام الدستوريّة، فتتعدد التفسيرات والتأويلات التي تطيح أحياناً كثيرة بأبسط القواعد التي يفترض أن تُحترم وتُطبّق من دون مساومة أو تأجيل (مثال الفراغ الرئاسي عند انتهاء كل ولاية رئاسية والفشل في انتخاب الخلف قبل انقضاء ولاية السلف)، بالإضافة إلى العديد من العناوين الأخرى التي تركت ندوباً في الحياة السياسيّة اللبنانيّة والتي لا يبدو التعافي منها سهلاً أو متاحاً في المدى المنظور.
تبقى الدولة هي الطرف الأكثر ضعفاً في لبنان قياساً إلى الأطراف الداخليّة أو قياساً إلى اللاعبين الخارجيين، وفي مقدمتهم الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يتوانى عن ضرب السيادة اللبنانيّة وانتهاكها، براً وبحراً وجواً، بصورة يومية. وقد أبلغت قوات «اليونيفيل» كاتب هذه السطور أن عدد الانتهاكات الإسرائيليّة الجويّة للبنان بلغ أكثر من 9200 انتهاك للقرار 1701 منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وأن القوات الإسرائيليّة قد تجاوزت الخط الأزرق أكثر من 3200 مرة منذ ذلك التاريخ.
وغنيٌ عن القول إن لبنان أمام معضلة شديدة الخطورة إزاء الوضع الذي استجد بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة عليه، فما سُمّي «توازن الردع» سقط بالضربة القاضية وإعادة بنائه لا تبدو متاحة، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وعلى ضوء التحديات التي تواجه إيران؛ كما أن الدبلوماسيّة والاتصالات السياسيّة لا تجدي نفعاً مع إسرائيل التي لا تقيم وزناً لأي تفاهمات أو اتفاقات أو حتى قرارات أو أعراف دولية.
وليس وضع الدولة اللبنانيّة أكثر سهولة في الداخل، إذ إنها تواجه تحديات شبه يوميّة لسلطتها من قِبَل قوى نافذة اعتادت امتلاك فائض القوة، ومن أطراف سياسيّة لا يعنيها حقاً قيام دولة قوية ومتمكنة تتيح لها أداء واجباتها السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية. وثمة مسيرة طويلة لا بد من المباشرة لإعادة ترميم صورة الدولة وهيبتها وتدعيم دورها في مختلف المجالات بدءاً بحصر السلاح عبر بسط سلطتها على كامل أراضيها، وصولاً إلى قيامها بواجباتها في النهوض الاقتصادي والاجتماعي.
الأكيد أن المرات التي حزمت فيها الدولة اللبنانية أمرها ومارست مسؤولياتها تبيّن أنها كانت تملك القدرة المطلوبة لتحقيق ذلك، وأن المواطنين والأطراف السياسيّة على حد سواء يتعاملون معها عندئذ بكثير من الجدية والحذر، بينما في المرات التي عكست تراخياً وتراجعاً، فإنها تعرّضت للمزيد من التهشيم والتنكيل وكرست صورتها بأنها الحلقة الأضعف بين اللاعبين بينما يفترض أن تكون هي الأقوى.
في المحصلة، فإنه ثبت بالتجربة والبرهان السياسي المباشر أن مشروع الدولة في لبنان مشروع مستحق، وأنه لا غنى لأي طرف، مهما بلغت قوته، عن هذه الدولة التي هي القاسم المشترك بين اللبنانيين جميعاً بمختلف انتماءاتهم ومشاربهم واتجاهاتهم. وثمة فرصة حقيقية متوفرة أمام لبنان واللبنانيين اليوم، في هذا العهد الرئاسي وفي ظل الحكومة الحالية، لكي تتغيّر الأوضاع حقاً في لبنان نحو الأفضل، ولتسلك دروب الإصلاح الوعرة التي لطالما تعثّرت في مطلع الطريق.

