في هذه الأيام، حيث يقض طنين خطوات الانتفاضة وهتافات الحرية التي يطلقها الشعب الإيراني مضاجع الفاشية الدينية الحاكمة، تحول الحديث عن آفاق إسقاط النظام إلى الشغل الشاغل للأوساط السياسية العالمية. وفي خضم ذلك، لجأت غرف عمليات نظام الملالي وبقايا الدكتاتورية السابقة، في محاولة يائسة لحرف الرأي العام، إلى ضخ موجات من اليأس والرعب. إنهم، عبر طرح فرضيات باطلة من قبيل "خطر التقسيم"، و"سورية إيران"، و"فراغ السلطة"، يسعون لطمس أصل المسألة المتمثل في ضرورة الإسقاط التام للاستبداد الديني.
لكن واقع الميدان يشي بغير ذلك؛ فإيران ليست العراق ولا ليبيا، ومصيرها المحتوم ليس الفوضى، بل استقرار الحرية والديمقراطية. تسعى هذه السطور، عبر تفكيك البنية التحتية العظيمة للمقاومة وخارطة الطريق المدونة للسيدة مريم رجوي، إلى إثبات أن الخوف من "الأناركية" ليس سوى وهم، وكيف سيقود "البديل الديمقراطي" سفينة إيران التي تتقاذفها الأمواج إلى شاطئ الأمان.
واحدة من أكبر الخدع التي تلجأ إليها الأنظمة الشمولية لبقائها المشين، هي الإيحاء بأن انهيارها مرادف لدمار البلاد. إن الإحالة المستمرة إلى التجارب المريرة في المنطقة خلال العقود الأخيرة هي أداة لترهيب المجتمعين الدولي والداخلي. ولكن الفرق الجوهري بين إيران وتلك النماذج يكمن في وجود "مرساة استقرار داخلية".
خلافاً للدول التي كان التغيير فيها نتاجاً لتدخل عسكري خارجي دون ظهير سياسي متجذر، تحظى إيران بنعمة وجود بديل ديمقراطي، ذي مصداقية وتاريخ عريق: "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية".
إن التقصي في جذور هذا المجلس يظهر أنه ليس تشكيلاً وليد اللحظة أو عديم الجذور، بل هو ائتلاف عريق لقوى وتيارات متنوعة من المجتمع الإيراني، تجذر في عمق التحولات الاجتماعية عبر أكثر من أربعة عقود من النضال المستميت ضد دكتاتوريتين. هذه التجربة الناجحة والدائمة للعمل السياسي المشترك، هي الحلقة المفقودة التي غابت عن باقي دول المنطقة، وهي الآن في إيران الضامن للعبور الآمن من المنعطفات الصعبة للمرحلة الانتقالية.
إيران أرض تتزين بتنوع القوميات والمذاهب. وإن القلق من التصدعات القومية في غياب حكومة مركزية مقتدرة هو هاجس مفهوم، لكن الرد عليه لا يكون بالقمع، بل بالاعتراف بحقوق الجميع. وهنا، تتجلى القدرة الفريدة للبديل الديمقراطي بوصفه "محور الوحدة".
لقد وفر المجلس الوطني للمقاومة، استناداً إلى برامجه المدونة، ومنها مشروع الحكم الذاتي للقوميات في إطار وحدة الأراضي الإيرانية والمبدأ التقدمي لفصل الدين عن الدولة، أرضية صلبة للتلاحم الوطني. لقد ركز هذا البديل، عبر رسم حدود قاطعة وتاريخية مع نموذجي الاستبداد "الشاه" و"الملا"، الطاقات المتراكمة للمجتمع حول هدف مشترك هو "تأسيس جمهورية ديمقراطية". هذا المشترك الاستراتيجي يمثل سداً منيعاً أمام الاستقطابات الزائفة ومؤامرات التفرقة التي يحيكها نظام الملالي.
تتطلب إدارة المرحلة الحساسة التي تلي السقوط جدولاً زمنياً سياسياً دقيقاً لمنع إعادة إنتاج الاستبداد بزي جديد. وتأتي مشاريع السيدة مريم رجوي لهذه المرحلة لتقدم إجابات واضحة؛ حيث تم تعريف عملية انتقال السلطة عبر ثلاث خطوات حيوية: أولاً، تشكيل حكومة مؤقتة تتولى المهام فور سقوط النظام لمنع أي فراغ إداري؛ ثانياً، الالتزام بالمدى الزمني المحدد بحيث لا تتجاوز مدة هذه الحكومة 6 أشهر؛ وثالثاً، تأسيس "مجلس مؤسسان"، حيث تكون المهمة الرئيسية للحكومة المؤقتة هي إجراء أول انتخابات حرة لتشكيل هذا المجلس، الذي سيتولى وضع الدستور الجديد وتحديد الحكومة الدائمة، لتنتقل السيادة بالكامل إلى صناديق الاقتراع.
إلى جانب الهيكل السياسي، يبرز دور "شباب الانتفاضة" في جميع أنحاء إيران؛ فهم ليسوا فقط محرك الثورة، بل هم بمثابة الذراع الميدانية والضمانة الأمنية للمرحلة الانتقالية. هذه القوى المنظمة لن تسمح للفوضى بالسيادة أو للمتربصين بتهديد أمن الناس.
لقد أكدت السيدة مريم رجوي في رسالتها الأخيرة بالتزامن مع مؤتمر ميونيخ للأمن، على ثلاث حقائق: العزم غير القابل للتراجع للإسقاط، الدور المحوري للتنظيم وشباب الانتفاضة، والطريق المسدود الذي يواجهه نظام ولاية الفقيه. وأعلنت بوضوح أن من يعدون بالعودة للديكتاتورية الملكية أو الحفاظ على مؤسسات النظام الحالي لا مكان لهم في مستقبل إيران. إن شعار "لا للشاه ولا للملا" هو رمز النضج السياسي لشعب دفع ثمناً باهظاً للحرية ولن يعود إلى الوراء أبداً.
إن الرد على المخاوف المصطنعة حول مستقبل إيران لا يكون ببقاء استبداد الملالي المتهالك، بل في "تنظيم المقاومة". وجود برنامج مدون، وحكومة جاهزة لإدارة المرحلة الانتقالية، وشبكة من القوى المضحية في الداخل، يضمن أن غد السقوط لن يكون ساحة للفوضى، بل ميداناً لتجلي الإرادة الوطنية لبناء نظام قائم على حقوق الإنسان والعودة المشرفة إلى المجتمع الدولي.
على العالم أن يدرك أن السبيل الوحيد لإنهاء التهديدات النووية والإرهابية هو الاعتراف بحق الشعب في الإسقاط ودعم نضال شباب الانتفاضة ضد الحرس الثوري. لقد حان الوقت لإنهاء حقبة المساومة وبزوغ فجر إيران الحرة والديمقراطية.


