: آخر تحديث

أين إعلام الرّقة؟

2
2
2

 

يتقدّم إلى الواجهة، بإلحاحٍ لا يمكن تجاهله، سؤال يبدو بسيطاً في صيغته، لكنه ثقيل في معناه ودلالاته: أين إعلام الرّقة اليوم؟ وأين يقف إعلاميّوها ممّا يجري على أرضها، في مرحلة تتكثّف فيها الوقائع، وتتداخل فيها المصائر، وتشتدّ حاجة الناس إلى صوت صادق ومسؤول؟

هل تكفي الأخبار المقتضبة، والتغطيات السريعة التي تُكتب من خلف المكاتب، لتكون مرآةً حقيقيةً لمدينة أنهكتها الحروب، وأثقلها النزوح، وتراكمت في ذاكرتها جراح لم تندمل؟ وهل يمكن لبضعة أسطر عابرة أن تختصر وجع الرّقة، وتاريخها، وأحلام أهلها المؤجَّلة، وقلقهم اليومي على الخبز والدواء والمستقبل؟

الحقيقة أنَّ الرّقة اليوم لا تحتاج إلى إعلامٍ يكتفي بنقل الحدث، بل إلى إعلامٍ يعيش الحدث، ويتنفّس هواء الشارع، ويصغي إلى همسات الناس قبل صراخهم، ويفهم تعقيدات الواقع بدلاً من الاكتفاء بسطحه. تحتاج إلى إعلام لا يكرّر العبارات الجاهزة، ولا يستسهل الخطاب المعلّب، ولا يزيّن القبح، ولا يهوّن الألم، بل يقول الحقيقة كما هي، بلا رتوش ولا خوف.

فالعمل الصحفي، في جوهره، ليس وظيفةً عابرةً، ولا وسيلةً للظهور الاجتماعي، ولا سلّماً للنفوذ، بل رسالةً أخلاقيةً وإنسانيةً. الصحفي الحقيقي لا يحمل القلم فحسب، بل يحمل همّ المدينة في قلبه، ويجعل من كلمته صوتاً للناس، ومن حرفه جسراً يصلهم بصنّاع القرار. يخرج إلى الشارع، يستمع، يسأل، يتحقّق، يرى بأمّ عينيه، ثم يكتب بضمير حيّ، لا بعين المرتجف ولا بمصلحة المتربّص.

ومع الأسف، شهد المشهد الإعلامي في الفترة الأخيرة بروز أسماء لم تكن معروفة في الحقل الصحفي، ظهرت فجأةً، وبمعايير ملتبسة، لا تقوم دائماً على الخبرة ولا على المهنية ولا على الانتماء الحقيقي للمكان. وكأن الإعلام في الرّقة يُعاد تشكيله على عجل، وبمنطق العلاقات لا الكفاءات، وبحسابات المصالح لا المسؤولية.

هذا الظهور المفاجئ يثير تساؤلات مشروعة: من يمثّل الرّقة فعلاً؟ ومن يملك حقّ الحديث باسمها؟ ومن ينقل وجعها كما هو، لا كما يُراد له أن يُنقل؟ ومن يحمي صوت الناس من التحوّل إلى صدىً لجهات نافذة أو أجندات ضيّقة؟

في المقابل، لا يمكن إنكار الجهود الصادقة لبعض الإعلاميين الذين أثبتوا حضورهم الميداني والتزامهم الأخلاقي، وفي مقدّمتهم المصوّر عبود حمّام، الذي أدّى دوراً واضحاً في توثيق الصورة ونقل الحقيقة البصرية. فالصورة، في زمن الالتباس، شهادة حيّة لا يمكن تجاهلها. غير أنّ الصورة، مهما بلغت قوّتها، لا تكفي وحدها. فالرّقة تحتاج أيضاً إلى قلم يحلّل، وصوت يفسّر، وصحفي يربط الحدث بسياقه، ويمنحه معناه الإنساني والاجتماعي.

الرّقة بحاجة إلى إعلاميين من أبنائها، يعرفون أحياءها، ولهجتها، وذاكرتها، وجرحها المفتوح. بحاجة إلى من خرجوا من شوارعها، وتشكّل وعيهم في مدارسها، وعرفوا خوفها وأحلامها، ليكتبوا عنها بصدق وانتماء، لا ببرودة الغريب ولا بسطحية العابر.

أين الصحف الرسمية والتاريخية؟ أين حضور المؤسسات الإعلامية الكبرى؟ أين دور الإذاعة والتلفزيون ووكالة سانا والمكاتب المحلية؟ إنّ غياب هذه المؤسسات، أو حضورها الخجول، يترك فراغاً خطيراً، تملؤه أحياناً أصوات غير مؤهّلة، وخطابات لا تعكس الواقع ولا تعبّر عن الناس، بل تزيد من ارتباك المشهد وتشويهه.

من هنا، يصبح اختيار من يمثّل الرّقة إعلامياً مسؤوليةً وطنيةً وأخلاقيةً قبل أن تكون إداريةً. مسؤولية يجب أن تقوم على النزاهة والكفاءة والخبرة، لا على المحسوبيات ولا على العلاقات الشخصية ولا على محاولات التسلّق. فالإعلام حين يُفرّغ من معناه، يتحوّل من أداة تنوير إلى وسيلة تضليل، ومن منبر للحقيقة إلى ستار لإخفائها.

لقد عانى أبناء الرّقة من الفقر، والحرمان، والحرب، والنزوح، وفقدان الأحبّة، وانكسار الأمان. ومع ذلك، ظلّوا متمسّكين بالأمل، مؤمنين بأن مدينتهم تستحق حياةً أفضل. ولذلك، ليس من العدل أن تُترك هذه المدينة بأيدي إعلاميين يفتقرون إلى الحسّ المهني، أو يقدّمون مصالحهم الشخصية على مصلحة الناس.

الرّقة تستحق صحفيين لا يساومون على ضمائرهم، ولا يخافون فقدان مواقعهم إذا قالوا كلمة الحق، ولا يجعلون من الإعلام تجارةً أو وسيلة ابتزاز أو باباً للنفوذ. تستحق إعلاماً يرى في الكلمة أمانةً، وفي الصورة شهادةً، وفي الخبر مسؤوليةً.

إنّ ما تحتاجه الرّقة اليوم هو إعلام جديد في روحه، مهني في أدواته، نزيه في جوهره، مستقل في قراره. إعلام يحترم عقل الناس، ويصون كرامة المكان، ويكفّ عن ممارسة التزييف و"تمسيح الجوخ" الذي أرهق المدينة وأضعف ثقة أهلها بالكلمة.

فالإعلام، في لحظات التحوّل الكبرى، إمّا أن يكون شاهداً نزيهاً على المرحلة، يحفظ الذاكرة ويصون الحقيقة، أو شريكاً في تغييبها وتشويهها. ولا خيار ثالث بين هذين الطريقين.

وسيظل السؤال مفتوحاً، إلى أن يجد جواباً عملياً على الأرض: من يتكلّم باسم الرّقة؟ ومن يملك شجاعة أن يقول الحقيقة كاملةً، بلا نقصان ولا تأجيل؟ ومن يضع مصلحة المدينة فوق كل اعتبار؟

ذلك هو الرهان الحقيقي، وذلك هو الامتحان الذي لا يمكن للإعلام أن يتهرّب منه.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.