د. حسن مدن
لم يجد المفكر المغربي البارز عبدالفتاح كليطو غضاضة في القول إنه عاجز عن كتابة دراسة وفق المعايير الجامعية المعهودة، أو تأليف بحث مستفيض لموضوع في فصول متراصة البناء، ويقرّ كليطو بأن هذا الأمر كان يقلقه، خاصة أن الوسط الفكري والثقافي والأكاديمي ينظر إلى هذا النوع من البحث أو التأليف بصفته النموذج المرتجى، ويضع لذلك قواعد صارمة بمثابة معايير لجودة العمل الفكري أو البحثي المنجز أو قيد الإنجاز.
لكن كليطو سرعان ما تجاوز هذا القلق، حين ظهر له أن ما كان يحسبه عجزاً، يمكن أن يجعل منه الموضوع الرئيسي لمؤلفاته، التي تنحو منحى الإيجاز والتكثيف، فهي أقرب إلى فن المقالة القصيرة، لكنها تنطوي على حمولة فكرية- فلسفية عميقة، وتندرج في خانة ما يمكن وصفه بالكتابة الشذرية، ليغدو هو ونظراء آخرون له في الثقافة المغاربية الراهنة، وفي المغرب بالذات، مؤسسين لهذا النوع من الكتابة، أما سبب تغلب كليطو على قلقه مما وصفه ب «العجز» عن وضع البحث المطوّل والواقع في عدة فصول متراصة البناء، فيعود إلى قراءته للجاحظ، الذي أسرته كتابته، مؤكداً أن ميله إلى هذا النوع من الكتابة لم يكن مقصوداً، فالأمر يعود ببساطة إلى أنه لا يستطيع الكتابة بطريقة أخرى.
يقول كليطو في مقال له بعنوان «مقامات» استهلّ به كتابه صغير الحجم أو قليل الصفحات، شأنه في ذلك شأن كل كتبه، أو معظمها، والموسوم «في جو من الندم الفكري» إن الجاحظ خلّصه من الشعور بالنقص، يوم أدرك أنه، أي الجاحظ، «لم يكن يستطيع، أو بالأحرى لم يكن يرغب في إنجاز كتاب، بمعنى استيفاء موضوع ما والمثابرة عليه والسير قدماً دون الالتفات يميناً أو يساراً»؛ بل إن الجاحظ يقرّ بذلك ويعتذر عنه مراراً، ويلتمس لنفسه العذر بتخوفه «من أن يملّ القارئ»، لكن كليطو يرى أن الأمر لا ينحصر في تخوّف الجاحظ من ملل القارئ في حال جنح إلى وضع كتب متتالية الفصول، وإنما أيضاً، وربما قبل ذلك، إلى أن الجاحظ نفسه كان يشعر بالملل منها ويسعى إلى التغلب عليه.
ما الذي فعله الجاحظ للتغلب على المللين، ملل القارئ وملله هو نفسه؟
لقد اختار «فن الانتقال من موضوع إلى موضوع، من شعر إلى نثر، من موعظة إلى نادرة، من مثل إلى خطبة، من جدّ إلى هزل»، حتى أن كليطو شبّه كتابة الجاحظ بكتابة الفرنسي مونتيني الذي قال عن نفسه إنه يكتب بطريقة «القفز والوثب»، وهو ما يفعله كليطو نفسه برشاقة المفكر المتمكن فلسفياً ومعرفياً.

