: آخر تحديث

لعبة النفوذ الكبرى: كيف مزّقت واشنطن وطهران الشرق الأوسط

6
7
7

لم يكن ما عاشه الشرق الأوسط خلال العقود الماضية مجرد سلسلة أزمات عابرة أو حروب منفصلة، بل كان فصلاً طويلاً من لعبة نفوذ كبرى تقاطعت فيها مصالح قوى دولية مع طموحات إقليمية. وفي قلب هذه اللعبة وقفت قوتان مختلفتان في الشعارات، متشابهتان في النتائج: واشنطن وطهران.

الولايات المتحدة دخلت المنطقة منذ عقود تحت عناوين متعددة: حماية الاستقرار، محاربة الإرهاب، نشر الديمقراطية. لكن الواقع الذي تشكل على الأرض كان مختلفاً تماماً.
فالحروب التي اندلعت، والدول التي انهارت، والفراغات السياسية التي اتسعت، كلها صنعت شرق أوسط أكثر هشاشة وأكثر اعتماداً على القوة الأميركية.

في الاستراتيجية الكبرى، لم تكن الفوضى دائماً خطأً غير مقصود.

أحياناً كانت الفوضى نفسها أداة.

فكلما ضعفت الدول وتعمقت الانقسامات، أصبح التحكم في موازين القوى أسهل، وأصبحت المنطقة أكثر قابلية لإعادة التشكيل وفق المصالح الكبرى.

لكن في المقابل، لم يكن الشرق الأوسط يواجه قوة خارجية واحدة فقط.

في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، تحولت هذه الشبكات إلى لاعب أساسي في المعادلة الداخلية.

لكن النتيجة لم تكن استقراراً أو توازناً، بل كانت تعميق الانقسامات داخل المجتمعات، وتآكل سلطة الدولة لصالح قوى موازية.

وهنا تكمن المفارقة القاسية في المشهد.

فالولايات المتحدة التي كانت تدير توازنات المنطقة وجدت في الفوضى مبرراً دائماً للبقاء والتدخل،

بينما وجدت إيران في الفوضى نفسها فرصة للتوسع وبناء نفوذ إقليمي وتماهت بشرطي الخليج لتتحول إلى بعبع الخليج.

وبين هذين المشروعين، تحولت عدة دول عربية إلى ساحات صراع مفتوحة، تُدار فيها المعارك بالوكالة وتُدفع فيها الفواتير من دماء الشعوب واقتصاداتها المنهكة.

ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تعيد ترتيب موازين القوى، كانت طهران ترى في انهيار بعض الدول فرصة تاريخية لتوسيع نفوذها.

وهكذا ظهرت استراتيجية إيرانية تقوم على بناء شبكات سياسية وعسكرية داخل عدة دول عربية، عبر قوى محلية تدين لها بالولاء.

لقد كشفت السنوات الماضية أن الشرق الأوسط لم يكن يعيش صراعاً بسيطاً بين معسكرين متقابلين، بل كان يعيش نتيجة تقاطع مصالح بين قوة دولية تسعى إلى الحفاظ على هيمنتها، وقوة إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها وإعادة أمجادها.

وفي مثل هذه المعادلات، تكون النتيجة غالباً واحدة: دول تضعف، مجتمعات تنقسم، وخريطة المنطقة تُعاد صياغتها ببطء تحت ضغط الصراعات.

اليوم، وبعد سنوات طويلة من الحروب والاضطرابات، بدأ يتضح أن أكبر الخاسرين في لعبة النفوذ الكبرى هذه لم يكن طرفاً سياسياً أو عسكرياً بعينه، بل كانت المنطقة نفسها.

فالشرق الأوسط الذي تحوّل إلى ساحة تنافس بين المشاريع الدولية والإقليمية دفع ثمناً باهظاً من استقراره واقتصاده ونسيجه الاجتماعي.

والدرس الذي تتركه هذه المرحلة واضح وقاسٍ في آن واحد: حين تتحول الجغرافيا إلى ميدان لصراع النفوذ، تصبح الشعوب مجرد أرقام في معادلات القوى، ويصبح الخراب النتيجة الأكثر قابلية للتكرار.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.