خلال الفترة من اندلاع شرارة الحرب بمنطقة الخليج، بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، وإلى الإعلان عن التوصل لاتفاق سلام دائم، ومواقف المملكة السياسية تجاه هذه الحرب ثابتة لا تتغير، وتعكس نهج دولة عظمى، تتمسك بحزمة مبادئ وقيم لا تحيد عنها، أبرزها نشر السلام والوئام والتآخي بين الدول المتصارعة، والميل نحو التهدئة والتحاور والتفاهم بديلاً للحرب التي تأكل الأخضر واليابس، ويخرج منها الجميع خاسرين.
لطالما اتسم تعامل المملكة في هذه الحرب بالحكمة والتعقل في جميع مراحلها، ويعود هذا إلى أن قادة البلاد قرؤوا المشهد السياسي الناتج من هذه الأزمة جيداً، وأدركوا أهمية أن تتوقف آلة الحرب في أسرع وقت وبأقل الخسائر، حفاظاً على مستقبل دول المنطقة ومكتسباتها، ومن هنا، سخّرت المملكة إمكاناتها وقدراتها للتقارب بين الأطراف.
وكان للحرب، التي انطلقت نهاية شهر فبراير الماضي، تداعيات مدمرة على الاقتصاد العالمي، نتيجة إغلاق مضيق هرمز في وجه التجارة العالمية، في هذه الأثناء تحملت المملكة -باعتبارها دولة محورية في المنطقة والعالم- مسؤولياتها في التغلب على هذه التداعيات، وبحثت عن مسارات تصدير بديلة، لتأمين الطاقة للعالم بأقل أسعار ممكنة، في مشهد جلب الكثير من الاحترام والتقدير الدوليين للمملكة وقيادتها الرشيدة، وقيامها بجهود استثنائية تصب في صالح العالم بجميع دوله قبل أن تصب في صالح المملكة.
ومن هنا، لم يكن غريباً أن تكون المملكة من أولى الدول التي باركت ورحبت باتفاق السلام الذي ينهي حالة الحرب في الخليج، ويوقف العمليات العسكرية مع بدء مفاوضات تفصيلية خلال فترة ستين يومًا، بهدف التوصل إلى اتفاق دائم، وذهبت المملكة في ترحيبها باتفاق السلام إلى أبعد من ذلك، عندما أعلنت بعبارات صريحة وواضحة أهمية استعادة أمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز على النحو الذي كانت عليه قبل الحرب، ويحمل هذا الأمر رسالة سعودية للعالم بأن حماية الملاحة البحرية وأمن المضائق مسؤولية الجميع بلا استثناء، وأن استمرار تدفق سلاسل الإمداد دون عوائق هو جزء لا يتجزأ من أمن العالم واستقرار الشعوب.
جهود المملكة المبذولة لاتفاق السلام بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران تجسدَ في تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي لدولة باكستان التي تولت مهمة الوساطة والتقارب بين واشنطن وطهران، وهو ما يفسر رسالة الشكر التي وجهها رئيس وزراء باكستان إلى المملكة على جهودها في هذا المسار، يضاف إلى ذلك مشاهد لا حصر لها لقادة العالم وكبار المسؤولين وهم يتوافدون على المملكة خلال الشهور الماضية والالتقاء بمسؤولي المملكة، لبحث سبل دعم السلام في المنطقة، إيماناً من هؤلاء بأن حل الأزمة لا بد أن يمر بالرياض.

