انتشر على وسائل التواصل خبر تضمن التحذير من تناول الفواكه التي تنعدم البذور فيها، بحجة أنها تزرع في المختبرات وتعالج جينيا، أو تستخدم التربة الصناعية في زراعتها، بالتالي هي غير طبيعية وغير صالحة للاستهلاك البشري!
الحقيقة أن الفواكه أو الثمار «عديمة البذور»، لا تختلف بتاتا عن غيرها، ومن يدعِ غير ذلك يخلط بين عدة مفاهيم.
كيف تتكون الفواكه عديمة البذور؟ هنا يأتي دور الاكتشاف العبقري للعالم «دارون»، قبل 166 عاما، عن الطفرات الطبيعية. فبعض النباتات التي تنتج ثمارًا من دون بذور قابلة للإنبات بشكل طبيعي، يحدث لها ذلك بسبب طفرات جينية. فعلى سبيل المثال، ينتج البطيخ عديم البذور عن تهجين بطيخة عادية (ثنائية المجموعة الكروموسومية) مع بطيخة ذات كروموسومات مضاعفة (رباعية المجموعة الكروموسومية)، مما ينتج عنه ذرية عقيمة (ثلاثية المجموعة الكروموسومية) - وهذا ما يُعرف بتربية النباتات التقليدية، ولا علاقة للأمر بالتلاعب المختبري بالمعنى «الاصطناعي» الذي يتصوره البعض.
كما يحدث التكاثر العذري (دون تلقيح) لبعض النباتات، مثل الموز والأناناس، أي دون إخصاب على الإطلاق. والموز الخالي من البذور مثال قديم جدًا، فالموز هو هجين عقيم طبيعي، قام الإنسان بالإكثار من زراعته من آلاف السنين عن طريق العُقل، لا البذور.
كما أن التطعيم والإكثار الخضري، أي تُكاثر أصناف الفاكهة الخالية من البذور (مثل العديد من أنواع العنب والحمضيات والطماطم) عن طريق تطعيم العُقل على جذورها بدلًا من زراعتها من البذور. هذه تقنية زراعية عريقة، وليست غريبة أو «غير طبيعية». علما بأن المزارعين دأبوا على تطبيقات التربية الانتقائية، من خلال انتقاء الفاكهة الخالية من البذور أو قليلة البذور لفترة طويلة، قبل ظهور الهندسة الوراثية الحديثة.
أما ما تعلق بالزراعة في تربة اصطناعية، فلا علاقة له بالفواكه الخالية من البذور، فهذه تزرع في التربة العادية، تمامًا مثل الأصناف ذات البذور، فنوع التربة لا علاقة له بالأمر. إضافة لذلك، فإن الفاكهة الخالية من البذور آمنة تمامًا ومغذية. ولا صحة لفكرة أنها أقل طبيعية أو ضارة، فهي تخضع لنفس عمليات النمو والنضج، وللعمليات التنظيمية (إن وجدت)، التي تخضع لها أي منتجات أخرى.
**
لكن ما الطفرات الجينية، في الحيوانات، ومنها الإنسان، والنباتات، وكيف تعمل؟
الطفرات هي تغيّر يحدث في المادة الوراثية داخل الـDNA أو في ترتيب الجينات، وقد يكون هذا التغيّر صغيرًا جدًا أو كبيرًا نسبيًا. ويمكن، ببساطة، تخيل الجين كأنه تعليمات مكتوبة داخل الخلية، والطفرة هي خطأ أو تعديل في هذه التعليمات. وهذا التغيير قد يحدث بشكل طبيعي أثناء انقسام الخلايا، أو بسبب عوامل خارجية مثل الإشعاع أو بعض المواد الكيميائية أو الفيروسات.
وفي الإنسان، قد تكون الطفرة موروثة من أحد الوالدين وتوجد في كل خلايا الجسم منذ البداية، أو مكتسبة لاحقًا في بعض خلايا الجسم فقط. وقد تكون الطفرة ضارة فتسبب مرضًا وراثيًا أو تزيد خطر السرطان، أو نافعة، أو محايدة لا يظهر لها أثر واضح. وينطبق الأمر ذاته، بطبيعة الحال، على بقية الحيوانات والنباتات، فالطفرة هي تغيير في المادة الوراثية، لكن أثرها يختلف حسب الكائن والموضع الذي حدث فيه التغيير. وفي النباتات تحديدًا، يمكن أن تنتقل بعض الطفرات بسهولة أكبر إلى الأجيال التالية، مقارنة ببعض الحيوانات، لأن تكاثرها يختلف من حيث الخلايا والأجزاء القادرة على الوراثة.
والطفرات هي المصدر الأساسي للتنوع الوراثي بين الكائنات الحية، ولذلك لها دور كبير في التطور والاختلافات بين الأفراد والأنواع. ومن دونها لا يظهر تنوع جيني جديد تقريبًا، وهو ما يجعلها مهمة جدًا في علم الأحياء.
ملاحظة: كل الادعاءات والحملات الترويجية عن وجود عسل ينتج عن تناوله شفاء اعجازي، مبالغ فيها، وعلى هيئة الغذاء والتغذية التحرك لوقف هذا الاستغلال التجاري المضلل.
أحمد الصراف

