ملك سوريا الكبرى السلوقي أنطوخيوس الرابع (175ـ164 ق.م)، حاز أمجادًا، وشجع الفنون والآداب، وحول أنطاكيا إلى درة المدائن، ولقب نفسه بـ"الإله المتجلي"، وكان يمكن أن يكون عاهلًا عظيمًا، لو لم تفسد أعماله سورات الغضب والأهواء، وأبيقورية متشددة، وعشيقة مولعة بالسلطة، حتى لقبه الناس بـ"المجنون"، وأذله سفير روماني متنمر.
وتتبدى هذه الصورة المؤسفة على مدى التاريخ. عظماء تنزلهم أهواؤهم من علياء المجد إلى حضيض الدونية. حكام تعينهم المواهب والحظ، وآخرون يهزمهم سوء الطالع، وصروف الدهر، ونزر من الحماقة.
في عصرنا الحديث، كان معمر القذافي وصدام حسين وبشار الأسد يتمتعون بمعارف واسعة قل نظيرها بين الرؤساء، لكن لم يؤتوا من الحكمة مما أوتوا من المعرفة. ويفترض في المعرفة أن تعيد تأديبهم، وتغرس فيهم الحكمة والاتزان، لكن استبدت بهم أطوار السلطة المطلقة، تصرفوا بهمجية واستبدلوا البطش بالحكمة، والمعرفة بالحمق، فأضاعوا ممالكهم وخسروا أنفسهم، وجللوا تاريخهم بالسواد. والمشترك بين هؤلاء أنهم قد أتوا إلى الحكم من هامش المجتمعات، لهذا ركنوا إلى المؤامرات والدسائس والأطوار.
القذافي بعد أن أحكم سلطته (1969ـ2011) على ليبيا تولع بالألقاب من كل نوع، وسولت له نفسه أن يكون زعيمًا تاريخيًا يبز لينين وماو، فألف "الكتاب الأخضر" منقذًا للعالم، وأنفق الأموال الطائلة على المؤتمرات والكتب والأبحاث التي تحلل "نوابغ" كتاب "ملك ملوك أفريقيا". مع أن الكتاب تقريبًا "نكتة" ومن أبلج علامات الحمق. وبرحيل القذافي، اختفى الكتاب هباء منثورًا، لا يذكره أحد لا علنًا ولا سرًا.
صدام حسين تحكمت به طفولته القاسية، لهذا كان حكمه عنيفًا. أدخل أغلب رفاقه المقابر أو السجون ونشر الخوف بين العراقيين وعشق الحروب. وزينت له شياطينه احتلال الكويت عام 1990. وأودت تبعاتها بحكمه وبحياته، أعدمه أعداؤه الشامتون، حلفاء واشنطن عام 2006، ومعه وبعده دخل العراق في أنفاق مظلمة.
بشار الأسد، طبيب عيون قصير النظر، ورث الحكم بعد وفاة والده (2000)، وبدلاً من إخراج سوريا من النفق الطائفي، انغلق في النفق وأطفأ الأنوار وأسرف في الحماقة. وسلم نفسه لمستشارات متسلطات ينخرطن في معارك غيرة نارية تشغلهن عن الدبلوماسية الحصيفة، تزامنًا مع سيطرة ميليشيات إيرانية عنيفة على الأوضاع في جمهورية الأسد. وتطورت هذه الخلطة السمية العجيبة إلى مأساة مؤلمة للسوريين، مئات الآلاف من القتلى وملايين المهجرين، ومدن مهدمة، ثم نهاية حتمية في كانون الأول (ديسمبر) 2024، حينما هرب الأسد وتبخرت الميليشيات، وانتصرت قوات أحمد الشرع الثائرة، فتحرر السوريون من النفق والأرواح الشريرة للمستشارات وميليشيات الملالي.
وهذه الصور تفرض مسلمة قديمة جديدة، وهي أن الموهبة والتربية، هي التي تشكل الشخصية وتحكم التصرفات والسلوكيات طوال الحياة، بينما المعرفة والمناصب والشهادات والأموال، ممكنات ومكتسبات طفيفة التأثير في الشخصية المضطربة.
وتر
الأقدار السوداء عدو الشعوب الأبدي
تموج في سطور التاريخ،
يقودها رجال الظلام..
إذ تتشكل سنين الجدب والخوف

