: آخر تحديث

توم برّاك ودبلوماسية الأوهام الاستشراقية

5
4
4

ليست مشكلة توم برّاك أنّه من أصول لبنانية، بل المشكلة أنّه يتصرّف أحيانًا وكأنّ هذه الأصول تمنحه فهمًا تلقائيًا للبنان، فيما تشير الوقائع إلى العكس تمامًا. فالانتماء العائلي أو الذاكرة المهاجرة لا يصنعان معرفة سياسية، ولا يمنحان صاحبهما القدرة على قراءة واقع بلد معقّد مثل لبنان، لا سيما في أزمنة تتداخل فيها الحرب، والسلاح غير الشرعي، والانهيار المؤسساتي، والتفاوض تحت الضغط.

ما يفتقده برّاك، أو يتجاهله، هو أنّ حزب الله ليس حزبًا سياسيًا عاديًا يمكن التعامل معه بوصفه طرفًا لبنانيًا ضمن لعبة داخلية. حزب الله تنظيم مسلّح، مصنّف إرهابيًا من قبل الولايات المتحدة، يتخفّى خلف واجهة حزبية وبرلمانية، لكنّه في جوهره قوة عسكرية وأمنية مرتبطة بالمشروع الإيراني. مَن لا يبدأ من هذه الحقيقة لا يستطيع أن يقترح حلًا للبنان، بل يصبح جزءًا من المشكلة.

الأخطر أنّ مقاربة برّاك للبنان والمنطقة تبدو أسيرة نظرة استشراقية قديمة، من نوع ذلك «العروبي» الأميركي الذي يعتقد أنّ الشرق الأوسط يُدار بالعلاقات الشخصية، وبالزعامات الطائفية، وبالوسطاء المحليين، وبشيء من الفولكلور السياسي. هذه النظرة لا تخدم لبنان، كما لا تخدم الإدارة الأميركية ولا المصالح الأميركية، لأنها تبني السياسة على وهم أنّ الزعيم المحلي القادر على فتح الأبواب هو نفسه القادر على إنتاج حل. وفي لبنان، هذه منهجية مؤكدة لإعادة تدوير الفشل.

من هنا تأتي خطورة إفساح المجال لنبيه بري ليستثمر في علاقته بتوم برّاك، وكأنها قناة خلاص وطنية. بري لا يتصرّف بوصفه رئيس مجلس نواب محايدًا، بل بوصفه جزءًا أساسيًا من المنظومة التي ساهمت في تعطيل الدولة، وحماية سلاح حزب الله، وتحويل كل استحقاق سيادي إلى مساومة داخلية. حين يصبح بري بوابة واشنطن إلى لبنان، لا تكون واشنطن قد وجدت طريقًا إلى الحل، بل تكون قد دخلت في المتاهة نفسها التي دمّرت الدولة اللبنانية لعقود.

المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، ليست تفصيلًا. هي فرصة حقيقية، لكنها فرصة قد تضيع بسرعة إذا أُديرت بالمنطق نفسه: اتصالات شخصية، ورسائل جانبية، ومطالب مكررة، في ظل غياب خطة تنفيذية. فالإعلان الذي تمّ التوصل إليه بين الطرفين لا يحتاج إلى مزيد من البلاغة اللبنانية، بل يحتاج إلى تنفيذ. كما يحتاج إلى دولة تقرر أنّ حصر السلاح ليس بندًا تفاوضيًا، بل شرط وجودها.

لبنان لا يستطيع أن يعود إلى طاولة التفاوض ليكرر المطالب القديمة: وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب من النقاط المحتلة، واحترام القرار 1701، ودعم الجيش اللبناني. هذه مطالب محقة، لكنها لم تعد كافية. العالم لم يعد يريد سماع الجملة اللبنانية ذاتها للمرة المئة. السؤال الآن هو: ماذا ستفعل الدولة اللبنانية؟ متى ينتشر الجيش فعليًا؟ ما المهلة الزمنية لنزع البنى العسكرية غير الشرعية جنوب الليطاني وخارجه؟ مَن يملك قرار الحرب والسلم؟ ومَن سيحاسب إذا بقيت الدولة مجرد شاهد على أرضها؟

إذا عاد لبنان إلى المفاوضات من دون خريطة طريق واضحة، ومن دون جدول زمني، ومن دون قرار سياسي شجاع، فستكون النتيجة كارثية. إسرائيل ستقول إنّ لبنان يشتري الوقت. واشنطن ستبحث عن ترتيبات بديلة. حزب الله سيستخدم الفراغ لإعادة التموضع. ونبيه بري سيحوّل التفاوض إلى موسم جديد من المقايضات. أما الدولة اللبنانية، فستظهر مرة أخرى كسلطة تطالب بسيادتها من الآخرين، لكنها لا تمارسها في الداخل.

وليس صدفةً أن تتزامن هذه المقاربة مع الكلام عن دور للنظام السوري الجديد في احتواء حزب الله أو تطويقه. هذه ليست فكرة عملية، بل إهانة لمفهوم السيادة اللبنانية. مَن يطلب من سوريا أن تساعد في ضبط حزب الله يُفصح عمليًا عن أنّ لبنان غير قادر على تنظيف بيته بنفسه. وهذا يعيدنا إلى منطق الوصاية الذي دفع اللبنانيون ثمنه طويلًا: أن تتحول سيادة لبنان إلى ملف إقليمي، وأن يصبح أمنه وحدوده وسلاحه مادة تفاوض بين الآخرين.

الحقيقة أنّ لبنان لا يحتاج إلى وصي جديد، ولا إلى وسيط تختلجه نوستالجيا عائلية ضبابية، ولا إلى زعيم داخلي يتاجر بعجز الدولة على أنه حكمة سياسية. يحتاج إلى قرار. والقرار يبدأ بالاعتراف بأنّ حزب الله ليس مشكلة جنوبية، ولا ملفًا شيعيًا، ولا ورقة تفاوضية. حزب الله هو أصل الأزمة السيادية؛ وكل محاولة للالتفاف على هذه الحقيقة، سواء عبر عين التينة، أو عبر دمشق، أو عبر وسيط أميركي مفتون بأوهام المنطقة، ستؤدي إلى النتيجة نفسها: مزيد من الضعف اللبناني، ومزيد من التجرؤ على لبنان.

التحذير اليوم واضح: الفرصة الأميركية لن تبقى مفتوحة إلى الأبد. وإذا لم تدخل الدولة اللبنانية التفاوض كدولة تعرف ماذا تريد وكيف تنفّذ، فسيُدار لبنان من خارج دولته. عندها لن يكون السؤال: ماذا يريد لبنان؟ بل: مَن سيقرر عنه؟

وهذه هي الكارثة الحقيقية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.