: آخر تحديث

الإعلامي أذكى من القانوني!

2
3
3

قبل فترة كتبت في هذه الزاوية مقالاً بعنوان «لا تعادي الإعلام»، وكان جوهر الفكرة أن بعض المسؤولين والمؤسسات يرتكبون خطأً أكبر من المشكلة نفسها، عندما ينشغلون بمواجهة من تحدث عنها بدلاً من معالجة المشكلة ذاتها..

واليوم أجد أن هناك جانباً آخر يستحق التوقف عنده، وهو اعتقاد البعض أن القانون يمكن أن يكون أداة لإسكات الإعلام أو وسيلة لإخفاء الحقائق، ولكي لا يتم فهم العنوان بصورة خاطئة، فأنا لا أتحدث هنا عن التقليل من شأن القانونيين أو من أهمية القانون، بل على العكس تماماً، فالقانون هو أساس العدالة وحماية الحقوق وتنظيم العلاقة بين الجميع، وكثير من القانونيين كانوا وما زالوا شركاء في حماية الشفافية وصون المصالح العامة.!

لكن المشكلة تظهر عندما يحاول بعض المسؤولين أو أصحاب النفوذ استغلال مواقعهم الوظيفية أو صلاحياتهم الإدارية أو حتى الغطاء القانوني المحيط بهم، للضغط على الإعلامي أو إخافته أو إشغاله عن جوهر القضية التي يطرحها، وهنا تحديداً يصبح الإعلامي أذكى، ليس لأنه يعرف القانون أكثر، بل لأنه يدرك أن المشكلة الحقيقية ليست في المقال أو التقرير أو السؤال الذي طرحه، وإنما في الخلل الذي يحاول البعض إخفاءه..!!.

فالتجارب في مختلف دول العالم، تؤكد أن كثيراً من القضايا التي شغلت الرأي العام لم تبدأ بقرار أو إجراء رسمي، بل بدأت بسؤال إعلامي أو رأي مهني أو تقرير لفت الانتباه إلى قضية كانت بعيدة عن دائرة الضوء، ثم جاءت بقية الجهات لتؤدي أدوارها الطبيعية، ولهذا ظل الإعلام عبر التاريخ أحد أهم أدوات كشف الخلل وتحفيز المراجعة والتصحيح، ليس لأنه يحل محل الجهات الرقابية أو القانونية، بل لأنه غالباً أول من يسلط الضوء على ما يستحق النظر إليه.

المفارقة الطريفة أن كثيراً من المسؤولين الذين انشغلوا بملاحقة الإعلاميين لم يعد أحد يتذكر أسماءهم اليوم، بينما بقيت المقالات والتقارير والبرامج التي أثارت تلك القضايا حاضرة في ذاكرة الناس..!!.

وفي المملكة ولله الحمد، نشهد اليوم بيئة إعلامية أكثر نضجاً وتنظيماً من أي وقت مضى، تحمي الحقوق والمسؤوليات وتمنح الإعلام المهني مساحة للعمل وفق أطر واضحة ومتوازنة، بما يعزز دور الإعلام الصادق كشريك في التطوير والتنمية، لا كطرف في معركة مع المؤسسات.

ولهذا فإن الذكاء الحقيقي لا يكمن في البحث عن مادة نظامية أو إجراء شكلي لإسكات إعلامي، بل في معالجة الخلل الذي دفعه للكتابة من الأساس، فالمناصب تتغير، والقرارات تتبدل، والمسؤولون يرحلون، لكن الكلمة المهنية الصادقة غالباً ما تبقى.

ولهذا أكرر، لا تعادِ الإعلام، فالإعلامي قد لا يكون أقوى من القانوني نفوذاً، لكنه غالباً أذكى ممن يحاول استخدام القانون لإخفاء الحقيقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد