عبدالرحمن الحبيب
أثار اليوم العالمي للبيئة الأسبوع الماضي نقاشاتٍ عديدة، تضمنت اتهام القطاع الزراعي بأنه أحد أكبر مصادر التلوث؛ مع طرح العديد من الحلول، بعضها مثالي يصعب تطبيقه أو يمكن تطبيقه بشروط، بينما يواجه بعضها الآخر معضلة التوازن بين كمية الإنتاج وحماية البيئة.
يواجه المزارعون، في بعض كبرى المناطق الزراعية حول العالم، قوانين بيئية ومناخية صارمة تزيد التكاليف وتُقلِّل الإنتاج؛ علاوة على أن تغير المناخ جعلهم عُرضةً لظواهر جوية مُتطرِّفة تهدد النظم البيئية الزراعية، خاصة ارتفاع الحرارة وقلة الأمطار وتأثيرها على نمو المحاصيل وانتشار الآفات؛ كما أن تقلّب الطقس يُصعِّب التنبؤ بنمو المحاصيل.
بالمقابل، كثيرًا ما تستخدم شركات الأغذية مصطلحات تسويقية رنانة مثل: طبيعي، صديق للبيئة، مُستدام المصدر، عبوات قابلة للتدوير، محايدة للكربون، وذلك لتبرير ارتفاع أسعارها للمستهلكين، لكن المزارعين لا يحصلون إلا على نسبة ضئيلة من عائدات مبيعات التجزئة كما كتبت أماندا أرشيلا المديرة التنفيذية لمنظمة التجارة العادلة الأمريكية وخبيرة قطاع الأغذية الطبيعية؛ مشيرة إلى أن الأراضي الصالحة للزراعة ستتقلص بسبب ارتفاع درجات الحرارة وعدم انتظام هطول الأمطار، مما يهدِّد مصدر دخل المزارعين (نيوزويك).
تقترح أماندا حلاً واضحاً لطالما نادى به صغار المزارعين: التسعير العادل، لكن قلة قليلة من الشركات مستعدة لتبنيه. كما تؤكد الأبحاث هذا الأمر؛ فقد حلَّلت دراسة نُشرت بمجلة Nature Sustainability (الاستدامة الطبيعية) ما يقرب من ثمانية عشر ألف ورقة بحثية حول الحوافز للزراعة المستدامة، وخلصت الدراسة إلى أن الحوافز المالية وآليات دعم الدخل كانت من بين أقوى العوامل الدافعة لتبني ممارسات الزراعة المستدامة على مستوى العالم.
لمواجهة ارتفاع التكاليف، يضطر المزارعون إلى تبني حلول سريعة ومنخفضة التكلفة، غالباً ما تضر بالنظام البيئي الأوسع وتستنزف خصوبة التربة.. وتلخص أماندا الوضع بالقول: «لا يمكن الحصول على تربة صحية بدون مزارع صحية، ولا يمكن الحصول على مزارع صحية بدون الاستثمار في الأشخاص الذين يديرونها.»
وتضرب الكاتبة أمثلة ناجحة دعمت انتقال المزارعين إلى ممارسات زراعية أفضل، في إفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، عبر برامج التدريب؛ مثل 100 ألف مزارع كاكاو وتوابل وجوز الهند والبن في إندونيسيا، وألف مزارع كاكاو في غانا، والسكر في فيجي.
فلا يكفي مطالبة المزارعين بتبني نهج سليم لإصلاح نظامنا البيئي، بل ينبغي معالجة الأسباب الجذرية المتعلقة بتمكينهم وتحديد أسعار منتجاتهم، ليتمكنوا بشكل أفضل في الوصول إلى رأس المال والمعدات والتدريب وغيرها من مدخلات الزراعة الأساسية، وفقاً لأماندا مضيفة أنه بمجرد ترسيخ الممارسات المستدامة، يمكنها تحفيز دورة تعزيزية من الربحية طويلة الأجل والمرونة البيئية.
وتشدد الكاتبة أن الوقت قد حان لشركات الأغذية لتُترجم شعاراتها البراقة إلى أفعال تُهيّئ الظروف لازدهار المزارعين وأراضيهم، ويتم ذلك من خلال زيادة أجور المزارعين، والاستثمار في مزارعهم، وتبنّي ممارسات جديدة، وتنويع محاصيلهم. عندما يُصبح المزارعون أكثر قدرة على تحمّل تقلبات السوق وهشاشة المناخ، ستواجه سلاسل إمداد الأغذية والمشروبات مخاطر أقل.
تذكر أماندا «أن المزارعين الذين نعمل معهم كانوا واضحين بشأن احتياجاتهم لأكثر من 30 عاماً: أسعار مستقرة، وقوة تفاوضية أكبر، وحق المشاركة الفعّالة في عملية صنع القرار. إنهم لا يطلبون صدقة، بل يطالبون بالإنصاف. بتوفير هذه الأسس، يمكنهم التكيف بكرامة، لا بيأس.»
وتختم مقالها بأنه في هذا اليوم العالمي للبيئة، أمام صناعة الأغذية والمشروبات خياران: إما الاستمرار في الاستثمار في شعارات براقة تتجاهل من يزرعون طعامنا، أو مواجهة الحقيقة المزعجة بأن المرونة البيئية الحقيقية تبدأ بتحويل الأموال للمزارعين وتمكينهم.

