عبد الله سليمان الطليان
ليس الصراع البشري دائمًا حروبًا أو نزاعات كبرى، بل قد يبدأ من مواقف بسيطة تتكرر في حياتنا اليومية. عند طلب خدمة، أو البحث عن مساعدة، أو الوقوع في خطأ، أو حتى عند السعي إلى عمل خير، تظهر وجوه مختلفة من البشر، وتبرز عبارات تحمل في طياتها دلالات أعمق من كلماتها الظاهرة.
فعندما يقال لشخص: «أنت لا تعرف من أين تؤكل الكتف»، فالمقصود غالبًا ليس الجهل بالحياة، بل الإشارة إلى أن النجاح في نظر البعض لا يتحقق بالكفاءة أو الاستحقاق، وإنما بمعرفة طرق الالتفاف على الأنظمة واستثمار العلاقات والمصالح. وهنا يتحول الذكاء من قيمة معرفية إلى مهارة نفعية تحكمها المنفعة.
وعندما يواجه الإنسان عبارة: «أنت مقطوع من شجرة»، فإنها لا تعني العزلة الاجتماعية فحسب، بل تكشف عن ثقافة ترى أن قيمة الفرد مستمدة من انتماءاته وعلاقاته لا من شخصيته أو أخلاقه أو إنجازاته. وكأن الإنسان في هذه الرؤية لا يقف على قدميه، بل على شبكة المصالح التي تحيط به.
أما عبارة: «أنت في غاية السذاجة»، فهي كثيرًا ما تُوجَّه إلى من يتمسك بالصدق أو حسن النية أو الوفاء بالمبادئ. وهنا يصبح التمسك بالقيم موضع سخرية، بينما يُنظر إلى المراوغة والدهاء بوصفهما علامات نضج وخبرة. إنها مفارقة أخلاقية تجعل الفضيلة تبدو ضعفًا في أعين البعض.
وتأتي عبارة: «أنت لا تنتمي إلي»، لتكشف جانبًا آخر من الصراع الإنساني، حيث تُقسَّم العلاقات وفق دوائر الانتماء الضيقة؛ قبيلة أو جماعة أو فئة أو مصلحة مشتركة. وعندما يغيب الانتماء، يغيب معه أحيانًا العدل والتعاون والتقدير، رغم أن القيم الإنسانية في أصلها تتجاوز هذه الحدود.
أما العبارة الأكثر صراحة فهي: «لا توجد مصلحة منك». إنها تختصر فلسفة كاملة في النظر إلى الإنسان باعتباره وسيلة لا غاية، وأداة لا قيمة لها إلا بمقدار ما تقدمه من منفعة. وفي هذه اللحظة تتراجع الأخلاق أمام الحسابات المادية أو الشخصية، وتتحول العلاقات إلى صفقات غير معلنة.
هذه العبارات مجتمعة ليست مجرد كلمات عابرة، بل شارات رمزية لصراع بشري مستمر. صراع بين القيم والمصالح، وبين المبدأ والمنفعة، وبين الإنسان بوصفه قيمة في ذاته والإنسان بوصفه أداة لتحقيق غاية. إنها تعكس جانبًا من الغابة الاجتماعية التي يعيش فيها البشر، حيث لا يكون الأقوى دائمًا هو الأكثر أخلاقًا، ولا يكون الأضعف دائمًا هو الأقل قيمة.
ومع ذلك، فإن بقاء المجتمعات واستقرارها لم يتحقق عبر قانون الغابة، بل عبر ما نجح البشر في بنائه من قيم العدل والرحمة والتعاون والوفاء. فكلما طغت المصالح المجردة، اقترب المجتمع من الغابة، وكلما انتصرت الأخلاق، اقترب من الحضارة. وبين الغابة والحضارة يستمر الصراع البشري الذي لم ينتهِ منذ فجر التاريخ، وربما لن ينتهي ما دام الإنسان يحمل في داخله نزاعًا دائمًا بين ما ينبغي أن يكون وما يستطيع أن يفعله.

