نأتي إلى الورقة بكامل وعينا وألقنا، نمسك القلم بحب وتوق، ثم نكتشف أن كل شيء يتوقف؛ ثمة شيء في الأعماق يستعصي على الولادة واحتضان النور والأوراق.
لا تجد كاتبًا إبداعيًا لا يختبر هذه اللحظة، ويعيشها بشكل قاسٍ ومتعب؛ غير أن هذه الحبسة تخفي وراءها ما هو أعمق من مجرد تدفق الحبر. هذا الصمت برهان على أن التجربة تحتاج وقتًا أطول لتستقر في الوجدان؛ فالنصوص الرفيعة تفرض عزلة صارمة لتنضج على مهل، حتى تخرج كعاشقة في أبهى فساتين الصباح والشتاء.
هذا المخاض العسير تقوده بصيرة غامضة لا تطلب خرائط مسبقة، وهو ما تلخصه الكاتبة الأميركية آن لاموت باعترافها الذكي: إن الكتابة تشبه قيادة سيارة في ليل حالك؛ مصابيحك الصغيرة لا تكشف لك سوى أمتار قليلة تقع تحت قدميك، لكنك بهذا الضوء الشحيح وحده تقطع قارة كاملة.
اكتب ما تلمحه الآن، خطوة تتلوها خطوة، فالنص يكتشف نفسه في الطريق، ولا يولد بمخطط هندسي جاهز.
الإبداع فضاء شاسع، لا تحكمه طريقة واحدة؛ لكل فنان طقسه الذي يحاور به جنونه. تولستوي كان يشيّد رواياته بوقار البنائين وصرامة المهندسين، بمخططات وهياكل لا تنتهي. فرجينيا وولف كانت تفرش ورقتها لتلتقط تيار الوعي الهادر، العصي على الترويض. نيرودا يكتب بملوحة البحر وصخبه، وفان غوخ يحترق أمام قماشته قبل أن تلمسها الريشة، بينما يطارد بيتهوفن لحنه كفارس يلاحق مهرًا بريًا في برّية شاسعة.
هذا التباين الصاخب يثبت أن الإبداع ليس وصفة سرية؛ ثمة من تحرّكه المسطرة، ومن يقوده الحدس الأعمى. ثمة من يدخل الكتابة كمن يلج غابة مسحورة، ويفتش عن جوهر الإنسان في شروخه الأكثر هشاشة. بعضهم يقتات على العزلة الباردة، وبعضهم تشعله حركة الشارع، وثمة من لا ينطق بحرف إلا إذا أحس بوجع العالم كله يضغط على صدره.
وعلى الضفة الأخرى من هذا النهر الإبداعي، هناك من يرتكب خطيئة الانتظار؛ أولئك الذين يجلسون على عتبة النص الباردة ترقبًا لـ"ربّة الإلهام" الغائبة، ظنًا منهم أن الكتابة شرارة سماوية تهبط فجأة لتهز ركودهم.
الإلهام زائر مراوغ متقلب، إن ركنت إليه انطفأ جمرك الداخلي، وتحولت الكتابة من فعل وجود يومي إلى حلم مؤجل على رصيف التمني.
لكن هذه الدروب كلها، على تباينها، تلتقي عند مصب واحد: "الدهشة". تلك الرعشة المباغتة التي تضرب القلب حين يدرك الفنان أن ما يصنعه ليس حبرًا مرصوصًا، بل كائن حي بقلب ينبض، يبحث عن مخرج من سجن الداخل. دهشة تولد من لحظة مطر عاصف، من رائحة عطر قديم، من صمت ثقيل، أو من جرح ظننته التأم.
هذه الدهشة ليست منحة مجانية؛ إنها ثمرة انضباط مستمر. كبار المبدعين لم يرهنوا حيواتهم لمزاجية الإلهام؛ هاروكي موراكامي يستيقظ في الفجر ليدرب عضلة روحه قبل أن ترتخي، ونجيب محفوظ يجلس إلى مكتبه بوقار موظف صارم لا تغلبه العواطف. الانضباط لا يخنق الدهشة، بل يبني لها بيتًا لتقيم فيه.
في النهاية، ليست الكتابة خطًا مستقيمًا، هي متاهة من الطرق الشائكة. لا أحد يملك السر كاملًا، وكل مبدع يقبض على شظية من الحقيقة. لكن الناموس الأوحد الذي لا يتغير: أن تستمر في المشي، حتى لو كان مصباحك لا يضيء لك سوى موضع قدمك القادمة.


