عبدالله بن محمد آل الشيخ
«إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ»
منذ أن وحّد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- أرجاء هذا الوطن المبارك، كان بناء الإنسان السعودي حاضرًا في فكره ورؤيته.. إيمانًا بأن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها بل بالعقول التي تديرها والقلوب التي تُخلص لها.
ومع تعاقب ملوك المملكة -رحمهم الله جميعًا- ظل التعليم والابتعاث والتأهيل أحد أهم مسارات التنمية الوطنية فمن عهد الملك سعود، مرورًا بعهود الملك فيصل والملك خالد والملك فهد والملك عبدالله -رحمهم الله جميعاً- شهدت المملكة برامج تعليمية وابتعاثية أسهمت في إعداد أجيال من الأطباء والمهندسين والأكاديميين والقضاة والمتخصصين الذين شاركوا في بناء مؤسسات الدولة ونهضتها الحديثة.
لم تكن تلك الجهود مجرد برامج تعليمية بل استثمارًا طويل الأمد في الإنسان السعودي أثمرت نتائجه في مختلف القطاعات، وأسهمت في نقل المملكة إلى مراحل متقدمة من التنمية والتحديث.
ثم جاء هذا العهد الميمون بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -أيده الله- وسمو ولي العهد الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- ليشهد الوطن نقلة تاريخية كبرى عبر رؤية المملكة 2030 التي جعلت الإنسان السعودي محور التنمية وغايتها ووسّعت آفاق الابتعاث والتأهيل والتدريب، وربطتها باحتياجات المستقبل ومتطلباته.
واليوم، ونحن نعيش مرحلة استثنائية من النمو والتحول ونشاهد المشاريع العملاقة والمدن الجديدة والهيئات المتخصصة والاستثمارات العالمية وما تشهده المملكة من حراك اقتصادي وتنموي غير مسبوق يبرز أمامنا سؤال وطني مشروع: كيف نستثمر بصورة أسرع وأوسع في الكفاءات الوطنية التي أُعدّت لهذه المرحلة؟
إن الحديث هنا ليس نقدًا للمنجز ولا انتقاصًا من الجهود بل هو حديث محبة وحرص على استكمال النجاح، فالدولة -أيدها الله- لم تبخل على أبنائها وبناتها وشجعتهم على مواصلة التعليم والدراسات العليا والتخصصات الدقيقة وأنفقت بسخاء على برامج الابتعاث والتأهيل إيمانًا منها بأن المستقبل يحتاج إلى كفاءات وطنية قادرة على المنافسة والقيادة. ولذلك اندفع كثير من الشباب والشابات نحو الجامعات العالمية والبرامج المتقدمة وعادوا يحملون شهادات وخبرات وطموحات كبيرة للمشاركة في بناء وطنهم وخدمة قيادتهم ومجتمعهم، غير أن بعض هؤلاء الخريجين والخريجات يجدون أنفسهم أمام فترات انتظار طويلة بحثًا عن فرص تتناسب مع مؤهلاتهم وتخصصاتهم رغم ما يشهده الوطن من توسع في المشاريع والقطاعات والفرص الاستثمارية.
ولا شك أن سوق العمل يمر بتحولات متسارعة وأن جهود التوطين وتمكين الكفاءات الوطنية مستمرة ومقدّرة، إلا أن المرحلة الحالية تستدعي مزيدًا من التكامل والتنسيق بين الجهات التعليمية والقطاعات الحكومية والهيئات الوطنية والقطاع الخاص لضمان المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
إن التحدي اليوم ليس في تأهيل الكفاءات، فالمملكة أثبتت نجاحها في ذلك بجدارة وإنما في تسريع الاستفادة منها وتحويل سنوات الدراسة والابتعاث والخبرة إلى طاقات فاعلة تسهم في التنمية وتدعم الاقتصاد الوطني.
من هنا تبرز أهمية التعاون بين الجهات المعنية لوضع حلول عاجلة لبعض حالات الانتظار.. وفي الوقت ذاته إعداد خطط مستقبلية أكثر دقة ووضوحًا تستشرف احتياجات السنوات القادمة، وتربط برامج الابتعاث والدراسات العليا بالمجالات التي يتزايد عليها الطلب بما يحقق التوازن بين التأهيل والتوظيف.
كما أن إنشاء قواعد بيانات موحدة للكفاءات الوطنية وتعزيز الشراكة مع المشاريع الوطنية الكبرى وفتح مسارات مهنية أكثر مرونة للخريجين والخريجات سيُسهم في الاستفادة المثلى من هذه الطاقات الوطنية الواعدة.
إن أبناء الوطن وبناته لم يطلبوا سوى فرصة عادلة يثبتون من خلالها قدراتهم، وهم يدركون أن ما تحقق في المملكة خلال السنوات الماضية لم يكن وليد الصدفة بل ثمرة رؤية طموحة وقيادة حكيمة وعمل مؤسسي متواصل.
ولهذا فإن الأمل كبير، والثقة أكبر، بأن تتكاتف الجهات المعنية لمواجهة هذا التحدي بروح الشراكة والمسؤولية، وأن تتحول هذه الكفاءات إلى قوة إضافية تدفع عجلة التنمية نحو آفاق أرحب.
في النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن المملكة -بفضل من الله- نجحت في بناء الإنسان ونجحت في صناعة الكفاءة ونجحت في رسم مستقبل طموح لوطنها.
ما نرجوه اليوم هو تسريع خطوات التمكين حتى يجد كل شاب وشابة موقعهم الطبيعي في مسيرة البناء والعطاء، فالكفاءات الوطنية ليست رقمًا في قوائم الانتظار بل هي أحد أعظم منجزات الوطن وأغلى استثماراته وأحد أسرار نجاحه في الحاضر والمستقبل.
حفظ الله بلادنا وقيادتنا.. وأدام عليها أمنها ورخاءها ووفّق قيادتها الحكيمة وفتح لأبنائها وبناتها أبواب التمكين والنجاح ليظل هذا الوطن كما أراده قادته وشعبه أنه وطن الفرص والإنجاز والطموح.

