المقالة تتحدث عن ظاهرة حديثة نسبياً، تتمثل في انتقال الاحتجاج السياسي من الشعارات الجادة وذات الوقع الثقيل، والتي يحمل بعضها أيديولوجيات كبيرة ورموزاً جادة، إلى الرموز الساخرة والأسماء الخفيفة القادرة على الانتشار عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
حين تتحول الصراصير إلى حزب سياسي، عكس ما كان عليه الوضع في الماضي، حين كانت أسماء الأحزاب ضخمة وعميقة، تحمل معاني القوة والعقيدة والهوية، مثل حزب الاستقلال، وحزب العمال، وحزب الأمة، فذلك يعني أننا أمام تغيّر حتى في مفاهيم التعبير عن الاحتجاجات.
كانت أسماء الأحزاب والحركات تشبه البيانات السياسية: جادة، ثقيلة، ومباشرة، أما اليوم فهناك حركة «تحالف شاي الحليب»، التي بدأت في أربع دول آسيوية حول الشاي بالحليب، ثم تحولت إلى احتجاجات سياسية، استخدمت أسلوب السخرية سلاحاً سياسياً.
للوهلة الأولى تبدو هذه الظاهرة أقرب إلى النكتة منها إلى السياسة.
من «حزب الصراصير» في الهند، إلى «أيام الجمعة من أجل المستقبل» المدافعة عن المناخ، إلى «تحالف شاي الحليب»، الذي بدأ من نقاشات شبابية على الإنترنت، ثم تحول إلى مساحة احتجاج امتدت على الخريطة وعبرت الحدود في آسيا.
السؤال هنا: هل ذلك يعني أننا أمام ولادة لغة سياسية جديدة، أم أن ذلك دليل على تراجع في جدية العمل السياسي؟
بالتأكيد، «حزب الصراصير» لم يختر هذا الاسم حباً بالحشرات، بل قد يكون استخدم «الصرصور» كرمز للسخرية من واقع سياسي واجتماعي، يرى مؤسسوه أنه يتجاهل المواطن العادي، كما يتجاهل الناس وجود الصراصير حتى تملأ المكان.
نعم، الاسم صادم، وقد يكون ذلك سبباً في نجاحه، لأن الكثيرين بالتأكيد توقفوا عنده، عكس الوضع لو كان الاسم تقليدياً أو بياناً سياسياً، ليطرحوا سؤالاً: لماذا الصراصير؟
وهنا تكمن الفكرة.
اليوم، المعركة الأولى لم تعد في كيفية إقناع الناس، بل في كيفية جذب انتباههم، لأن الانتباه اليوم، وسط المشاغل المتراكمة وتسارع الحياة، أصبح العملة الأغلى في العالم. وقد أدرك السياسيون وكل أشكال الاحتجاجات أن الاسم الغريب يشد وينتشر أسرع، وأن السخرية تصل أحياناً إلى الجمهور أكثر من الخطب الرنانة.
لم يعد للتطويل مكان عند جيل اليوم، لا في الخطابات، ولا في المنشورات، ولا في البيانات المطولة، فأدوات التأثير تغيرت بالتأكيد.
اليوم، نجاح السياسة يحتاج إلى رسائل ورموز قابلة للمشاركة والتفاعل، خاصة مع فئة الشباب، وبلغتهم وأسلوبهم.
«تحالف شاي الحليب» حوّل مشروباً شعبياً إلى رمز للتضامن السياسي بين شباب دول آسيوية عدة، فالاسم بحد ذاته رسالة تقول إن السياسة ليست حكراً على النخب والأحزاب التقليدية، مما يعكس تحوّلاً مهماً في ثقافة الاحتجاج لدى الأجيال الجديدة.
ولأن الهدف الأول لم يعد فقط إقناع الناس، بل جذب انتباههم وإشراكهم، فقد تحولت الرموز السياسية الثقيلة إلى رموز خفيفة بسيطة ساخرة، سهلة الانتشار عبر الإنترنت.
كل ما سبق لا يعني إلا شيئاً واحداً، أن طريقة تسويق الأفكار والأيديولوجيات تغيرت، الفكرة نفسها بأسلوب مختلف في تسويقها، دون أي تغيّر في الأيديولوجيات والقناعات والاهتمامات.
وما انتشار المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي للإعلان عن منتجات أو مشاريع، بدلاً من إعلانات الصحف والشوارع «التقليدية»، إلا مثال واضح على ذلك.
ماذا بعد الاسم؟ هل سيبقى تأثير الاسم وتوهجه مستمراً بالقوة ذاتها؟ السخرية قد تنجح في لفت الانتباه، لكنها لا تكفي وحدها لبناء مشروع سياسي طويل الأمد.
اليوم، نشهد منعطفاً عن السياسة التقليدية، وولادة جيل جديد يفهم أن الطريق إلى العقول يمر أولاً عبر الشاشات، وأن الاسم الذي يثير الابتسام قد يكون أحياناً أقوى من ألف خطاب سياسي.
قد يكون اختيار اسم «الصرصور» رمزاً للبقاء رغم الظروف القاسية، ولأنه معروف بقدرته على التكيف والبقاء رغم محاولات القضاء عليه.
لذلك اختاره الشباب في تلك الدول، الذين يشعرون بأنهم مهمشون أو تم تجاهُلهم من قبل المؤسسات السياسية والاقتصادية، ليقولوا إنهم ما زالوا موجودين ويطالبون بحقوقهم.
هنا تحولت الإهانة إلى هوية، والسخرية إلى أداة احتجاج.
إقبال الأحمد

