خرجتْ اليابان من الحرب العالمية مهزومةً مكسورةَ الجناحين. وأحنى إمبراطور الشمس الساطعة ظهرَه أمام صاحب القنبلة الذرية. وجلس الياباني المهزوم يفكر في سبل القيامة. وثمة من همس في أذنه: لا تفكر. قلد. انسخ. دع الأميركي يتكلف ثمنَ الأبحاث والتجارب ثم قمْ بنسخها. لا تخجل بسمعةِ التقليد.
سرعان ما تقدم المقلّد على المبتكر. وتخلَّى الياباني عن صناعة السفن الحربية وراح يملأ الأرض سيارات رخيصة. التقطت تايوان الفكرة الساحرة وتحولت إلى ورشة تقليد واقتصاد مزدهر، بينما كانت الصين الأم تجهد في قراءة «الكتاب الأحمر». إلى أن هتف هاتف في الشعب الصيني لماذا لا نقلد اليابان وتايوان وسنغافورة. وقفزت الصين من عالم التخلف إلى الصف الأول.
ماذا يمنع الدول البائسة من الخروج من القرون الوسطى إلى تقليد تايوان وشنغهاي وألمانيا؟ يبدو أن تركيا تسير الآن على هذا الطريق، وهو طويل، لكن يجب أن نبدأ في مكان ما. قبل أن تتنازل اليابان عن عجرفتها الإمبراطورية، كان التقليد عيباً. الآن أصبح تقليداً «ترند». والعيب في الجهل والفقر والتخلف والفقر عناد التيوس.
كان نهرو والحبيب بورقيبة من كبار المناضلين ضد الاستعمار، لكن بعد الاستقلال قررا تقليد نظامه التعليمي. وقد انقطعت تجربة بورقيبة في تونس وأهملت، بينما تنتقل تجربة نهرو من قفزة إلى نهضة عامة.
من ليس قادراً على الابتكار لا يضيره الاقتداء بالنماذج الناجحة. بينما جعل بورقيبة التعليم إلزامياً ترفع بعض الجماعات في نيجيريا شعار «العلم حرام»، وإلى بضعة عقود خلت كانت المرأة ممنوعةً من العلم في دول عربية كثيرة، بينما تقوم سيدة بدور سفيرة السعودية في عاصمة الدبلوماسية العالمية. وفي مصر تقوم الدكتورة فايزة أبو النجا بمهام مستشارة الرئيس للأمن القومي. اختصار المسافات علم في حد ذاته.

