: آخر تحديث

هل سقط المشروع الإيراني في الفخ الأمريكي؟

5
4
5

محمد بن عيسى الكنعان

خلال حديثه إلى التلفزيوني الإيراني الذي نقلته قناة (الجزيرة) القطرية قبل مقتله بالضربات الإسرائيلية في 17 مارس 2026م؛ زعم علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي أن إيران وقفت مع الكويت ضد الغزو العراقي عام 1990م، ووقفت مع العراق ضد الغزو الأمريكي 2003م، وذلك لإيهام المتلقي العربي أن إيران ليس لديها مشكلة مع جوارها الخليجي ومحيطها العربي، في محاولة من لاريجاني للتغطية على الاستهداف الإيراني لدول الخليج خلال أحداث الحرب الإسرائيلية الأمريكية - الإيرانية. والواقع الحقيقي أن إيران كانت تلتزم الحياد التام خلال الأحداث والحروب الإقليمية مترقبةً الفرص السانحة لانتهازها حتى لو وضعت يدها بيد (الشيطان الأكبر)! فالمشروع الإيراني التوسعي بالمنطقة العربية بدأ من أول يوم وطأت فيه قدم الخميني أرض مطار طهران 1979م، معلنًا تصدير الثورة الإيرانية إلى كل محيطها، غير أن هذا المشروع الصفوي المعمم اصطدم بحاجز البوابة الشرقية (العراق) على مدار ثماني سنوات من الحرب المدمرة بين العراق وإيران، حتى انتهت في أغسطس 1988م بعد موافقة الخميني على قرار مجلس الأمن رقم (598) القاضي بوقف إطلاق النار وقال عباراته الشهيرة: «إني أتجرع السم».

بعدها انكفأت إيران داخليًا تلملم شعثها، وتلعق جراحها، وتعيد حساباتها، وترسم تحركاتها، من خلال تعزيز دور وكلائها في المنطقة، خاصةً عقب تأسيس (حزب الله) في لبنان عام 1982م عن طريق نظام الأسد في سوريا، ثم كانت فرصتها الذهبية السانحة عقب وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، فالعالم (السني) صار بمواجهة الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، التي رفعت راية الحرب على الإرهاب بدايةً من أفغانستان؛ حيث يوجد تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن. تلك الفرصة بدأت عندما سكتت إيران - التي طالما وصفت أمريكا بالاستكبار العالمي - عن الطيران الأمريكي وهو يخترق الأجواء الإيرانية ويدكّ معاقل حركة طالبان في أفغانستان في نوفمبر 2001م. ثم التخادم غير المباشر مع الأمريكان بعد سقوط بغداد عام 2003م، عندما جاءت المعارضة الشيعية من إيران على ظهر الدبابة الأمريكية وكأن المشهد العراقي يختصر الموقف الإيراني، فخلال سنتين فقط تخلصت إيران من أشد جيرانها عداءً لها؛ حركة طالبان (السلفية)، ونظام صدام البعثي (القومي)، ثم كانت الفتوى السيستانية الشهيرة بوقف مقاومة الاحتلال الأمريكي والسماح بانخراط الفصائل الشيعية بالعملية السياسية العراقية، وبهذا نجحت إيران في اختراق العراق والسيطرة على السلطة فيه، وهذا ما اعترف به الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد في تسجيل مصور من أن إيران ساعدت الولايات المتحدة في احتلال العراق. وبعدها بثلاث سنوات سيطر (حزب الله) على القرار اللبناني عقب حرب تموز عام 2006م.

ومع ثورات ما يسمى (الربيع العربي) التي جاءت بجحيم الفوضى والاضطراب واختلال الأمن للعديد من الدول العربية كانت إيران حاضرةً وبقوة، فقد كانت الداعم الرئيس لنظام بشار الأسد عام 2012م، ثم لحركة الحوثيين في اليمن الذين انقلبوا على الشرعية اليمنية عام 2014م. وبهذا سيطر النظام الإيراني على أربع عواصم عربية (بيروت - بغداد - دمشق - صنعاء)، حتى تفاخر بذلك العضو البرلماني علي رضا زاكاني الذي أصبح فيما بعد عمدة طهران. ناهيك عن العلاقة المتينة التي تشكلت بين النظام الإيراني وحركة (حماس) في إطار ما يسمى (محور المقاومة)، فنجحت الدعاية الإيرانية في خداع كثير من الجماهير العربية عبر الأحزاب القومية بأن إيران هي الناصر الأول، والداعم الحقيقي للقضية الفلسطينية والمقاومة بشكل عام. فيا ترى هل كانت الولايات المتحدة الأمريكية - عبر إداراتها المتعاقبة في البيت الأبيض - غائبة عن الوعي بما يجري في عالمنا العربي، أو غير مكترثة بما تفعله إيران، وهي تعتبرها دولة مارقة وخارجة على القانون، أم هي متواطئة مع الإيرانيين للهيمنة على الدول العربية وإدخالها في الفوضى الإقليمية؟ قطعًا لا. فالأمريكان يعون تمامًا أن هناك مشروعين للسيطرة على المنطقة العربية، وهما المشروع (الإسرائيلي)، والمشروع الصفوي (الإيراني) في ظل غياب تام للمشروع العربي. ولكي ينجح المشروع الأول لابد أن يتم استدراج المشروع الآخر إلى الفخ. بالطبع ليس لدى الولايات المتحدة مشكلة مع المشروع الأول الإسرائيلي من حيث الأهداف والتطلعات، ولكن الخلاف في الآليات والأدوات، وفي الحدود النهائية لهذا المشروع، وانعكاساته السلبية على العلاقات الإستراتيجية لأمريكا مع حلفائها المهمين بالمنطقة العربية. وأن هذا المشروع - مهما كانت امتداداته أو تعدياته - فيمكن التفاهم مع قادته بحكم العلاقة الأمريكية الإسرائيلية التاريخية. غير أن الإشكال الحقيقي في المشروع الآخر الإيراني، فلا علاقات إستراتيجية، ولا حتى طبيعية تربط بين الدولتين، وبينهما عداء تاريخي منذ اقتحام السفارة الأمريكية في طهران عام 1979م (1399هـ)، ما نتج عنه من فرض عقوبات على النظام الإيراني شملت تجميد الأرصدة المالية (24 مليار دولار)، ثم تطورات مع السنين حتى عام 2021م في قطاعات النفط والغاز والبنوك.

فهل يُعقل أن إيران تسرح وتمرح في عالمنا العربي دون دراية تامة من قبل البيت الأبيض، حتى صار للنظام الإيراني اليد الطولى بالعراق، والتدخل الفاعل في سوريا ولبنان، والدعم الكبير في اليمن. لا شك أن هناك قطعة ناقصة في الصورة. هذه القطعة هي المصيدة (الاستدراج، ثم الاحتواء، ثم الإنهاء). لقد كانت تحركات نظام الملالي في عالمنا العربي كمن يغوص في المستنقع أكثر وأكثر بحثًا عن اللؤلؤ وهو في الواقع يدخل الفخ، الذي سُينهي مشروعه في المنطقة، ودلالة ذلك في مسارين، الأول استخباراتي فقد كشفت حرب إسرائيل على إيران في يونيو 2025م (12 يومًا) أن هناك اختراقًا استخباراتيًا إسرائيلياً أمريكياً لإيران، والمسار الآخر عسكريًا بدأت مؤشراته بسقوط نظام بشار، الذي يُشكل المرتكز الرئيس للمشروع الإيراني في المنطقة، وتدمير قدرات (حزب الله) في لبنان، وإضعاف حركة (حماس) بجعل غزة تحت إدارة دولية.

لقد تغاضت الولايات المتحدة - بقصد - عن التحركات والتدخلات الإيرانية في المنطقة العربية التي ظاهرها العداء لإسرائيل، وهي بشكل غير مباشر تخدمها بإضعاف العالم العربي من خلال وضعه في حالة فوضى وقلاقل وعدم استقرار. ومع التدخلات الإيرانية المتواصلة لم يكن الإيرانيون يعون إلى أن إسرائيل قد اخترقتهم داخليًا بدلالة نجاحها في سرقة الأرشيف النووي عام 2018م.

ثم يأتي الفصل الأخير بمواجهة النظام الإيراني في عقر داره ما نتج عنه القضاء على الصفين الأول والثاني من قياداته، ولا يعني هذا إسقاط نظام الملالي بقدر ما يعني تقليم مخالبه ونزع أنيابه، بحيث يكون تحت السيطرة الأمريكية وعدم إلحاق الضرر بالكيان الصهيوني، وجعله الفزاعة لدول المنطقة، كما قال هنري كسينجر: «أمريكا لا تحل المشكلة ولكن تُبقيها لتتحكم فيها». إيران اليوم دخلت الفخ، وإتاحة الفرصة لمشروعها التوسعي أن يمتد؛ لم يكن ذلك إلا كأداة لإضعاف العالم العربي، خاصةً بعد تداعيات ما يسمى ثورات (الربيع العربي)، التي كانت ترمي إلى تمزيق الدول العربية إلى دويلات صغيرة بحيث يكون التفوق الإقليمي بكل أبعاده إسرائيليًا. إيران اليوم بين خيارين بعد سقوطها بالفخ، بين التدمير الكامل للنظام، أو خضوعه للسطوة الأمريكية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد