عبد الله سليمان الطليان
يُعد التفكير في المستقبل من الخصائص التي تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات؛ فهو لا يعيش يومه فقط، بل يتطلع إلى ما قد يأتي غداً، ويخطط ويستعد ويحتاط لما يراه ممكناً أو متوقعاً. غير أن مفهوم المستقبل يختلف من شخص إلى آخر، تبعاً لاختلاف رؤيته للحياة وفهمه للعلاقة بين الغيب والواقع.
فمن الناس من ينظر إلى المستقبل بوصفه جزءاً من عالم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، مستنداً إلى قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} (59) سورة الأنعام، ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن المسلم مطالب بالتسليم بما أخبر الله به من أمور الغيب، وأن القضايا المرتبطة بالآخرة والرزق والأجل وسائر الشؤون الغيبية لا ينبغي إخضاعها لحسابات مادية أو تصورات بشرية محدودة.
وفي المقابل، هناك من ينظر إلى المستقبل من زاوية مادية بحتة، فيتعامل معه وكأنه معادلة حسابية يمكن التنبؤ بنتائجها بدقة إذا توفرت المعطيات الكافية. ويغلب هذا المنهج على بعض الاتجاهات البراغماتية التي تحاول تفسير كل شيء بلغة الأرقام والمصالح والمنافع المباشرة، متجاهلة أن الحياة الإنسانية أكثر تعقيداً من أن تُختزل في حسابات مادية مجردة.
وقد أثبت التاريخ أن كثيراً من التوقعات التي بُنيت على أسس مادية خالصة لم تصمد أمام الواقع.
ومن أشهر الأمثلة نظرية الاقتصادي الإنجليزي (توماس مالثوس) في أواخر القرن الثامن عشر، التي توقعت أن يتزايد عدد السكان بمعدلات تفوق قدرة الأرض على إنتاج الغذاء، مما سيؤدي إلى مجاعات واسعة النطاق. لكن التطور الزراعي والتقني والثورة الصناعية أسهمت في زيادة الإنتاج الغذائي بدرجات لم يكن مالثوس يتصورها، فتراجع جانب كبير من تلك التنبؤات. ولم يكن الخطأ في محاولة دراسة المستقبل، بل في الاعتقاد بأن المستقبل يسير دائماً وفق مسار واحد لا يتغير.
وهكذا تكشف التجربة الإنسانية أن التنبؤ بالمستقبل ليس علماً يقينياً، بل هو اجتهاد بشري قد يصيب وقد يخطئ. فالإنسان مهما بلغ من العلم والمعرفة يبقى محدود الإدراك أمام متغيرات الحياة الكثيرة، وأمام سنن الله التي قد تفتح آفاقاً جديدة لم تكن في الحسبان.
ومن هنا يمكن التمييز بين أمرين: الغيب الذي استأثر الله بعلمه، والواقع الذي كلف الإنسان بعمارته والتخطيط له. فالمؤمن لا يدّعي معرفة الغيب، لكنه في الوقت نفسه لا يستسلم للجهل أو ينتظر الأحداث دون استعداد. إنه يخطط لمستقبله، ويتعلم، ويعمل، ويدخر، ويؤسس المشاريع، ويربي أبناءه، ويستثمر الفرص المتاحة، لأنه مسؤول عن التعامل مع ما بين يديه من أسباب.
إن التفكير في المستقبل ليس محاولة لاقتحام عالم الغيب، بل هو سعي عقلاني لتحسين الواقع والاستعداد لما يمكن توقعه من تحديات وفرص. أما الغيب المطلق فيظل في علم الله وحده، بينما يبقى على الإنسان أن يبذل جهده فيما ينفعه، وأن يجمع بين حسن التخطيط وحسن التوكل، فلا يغرق في أوهام التنبؤ المطلق، ولا يتخلى عن مسؤوليته في بناء غده.
وبهذا التوازن بين الإيمان والعمل، وبين التسليم بالغيب والأخذ بالأسباب، يستطيع الإنسان أن ينظر إلى المستقبل نظرة واعية تجمع بين الثقة بالله وحسن السعي في الحياة.

