في بلد أصبح فيه قول الحقيقة جريمة، لم يعد مستغرباً أن تتعرض قناة MTV لسيل من التهديدات والهجمات السيبرانية فقط لأنها مارست واجبها المهني كمؤسسة إعلامية وهو نقل المعلومات بدقتها. فبعد أن نشرت القناة تقريرًا إخباريًا يفضح وجود سجون سرية لـ"حزب الله" في الضاحية الجنوبية لبيروت، انكبّت ماكينة التخوين المعتادة بكامل طاقتها على القناة، وانطلقت جوقة الاتهامات الكيدية بسخف مضمونها مُدَّعية أن القناة "تعطي إحداثيات للجيش الإسرائيلي".
رواية تلك الأبواق الآنفة الذِكر ليست فقط نفاقًا وافتراءً، بل هي أيضاً إهانة لعقول اللبنانيين ومحاولة تضليلهم؛ إذ أن المعلومات التي وردت في التقرير ليست أسراراً عسكرية ولا اكتشافات استخباراتية خارقة. إنها معلومات متداولة منذ سنوات، تحدث عنها سكان المنطقة أنفسهم، وتناولتها تقارير صحافية محلية ودولية، بل إن جزءاً كبيراً منها معروف ومكشوف على نطاق واسع داخل البيئة التي يسيطر عليها الحزب نفسه.
إلا أن المشكلة لا تكمن في المعلومات. المشكلة هي أن حزب الله يحتاج دائماً إلى اختلاق عدو في الداخل اللبناني.
فحين يتلقى ضربة من إسرائيل، يرفض لا بل يتمنع عن مساءلة نفسه عن سبب هجوم اسرائيل لمواقعه وتدميرها، ويأبى عن الإجابة عن تحويله لمنطقة الضاحية إلى ساحة عسكرية مفتوحة. بدلاً من ذلك، نجده يبحث عن كبش فداء: صحافي من هنا، وقناة تلفزيونية من هناك، أو ناشط على وسائل التواصل، أو أي صوت يجرؤ على الإفصاح عما يعرفه القاصي والداني عن هذا الحزب.
إن الهجوم السيبراني الذي استهدف موقع MTV، والذي تبناه ما يسمى بـ"فريق فاطميون الإلكتروني"، ليس حادثاً تقنياً عابراً. إنه جزء من حملة ترهيب مُمَنهجة هدفها واضح: إسكات الإعلام اللبناني وكَتِم صوت الحق، ناهيك عن ترهيب كل من يفكر بكسر جدار الصمت ورَفع الصوت.
أما المضحك المبكي فهي طبيعة الاتهام شكلًا ومضمونًا.
فأن يتهم حزب الله محطة إعلامية لبنانية بأنها مسؤولة عن استهداف مواقعه من قبل الإسرائيلي، يشبه تماماً مُدمن مخدرات غبياً يتقدم ببلاغ لدى مركز الشرطة مضمونه أنه قد فقد كيس الحشيش الخاص به.
هذا هو مستوى المنطق الذي يريد الحزب فرضه على اللبنانيين.
الميليشيات التي خزنت الصواريخ بين البيوت، وحولت الأحياء المدنية إلى مخازن سلاح، وأنشأت بنية عسكرية كاملة داخل المدن، تريد الآن أن تقنعنا أن المشكلة ليست في الصواريخ… بل في الصحافي الذي تحدث عنها.
والأكثر سخرية أن الحزب نفسه مُدَّعي الفقه يُدرك أن هذه الرواية لا تُحاكي أذهان العقلاء ولا يصدقها أي ذهن سليم.
فإسرائيل لا تحتاج إلى نشرات الأخبار اللبنانية كي تستكشف مواقع خصومها. تاريخ المنطقة يزود العالم بأسره بأمثلة عن الاختراقات الأمنية وتكنولوجيا التجسس والعمل الاستخباراتي الذي يسبق أي ضربة عسكرية. لكن الاعتراف بذلك يعني شيئاً واحداً: الإقرار بأن الحزب مخترق وضعيف وأوهن من بيت العنكبوت.
ولذلك يلجأ، كالمعتاد، إلى تخوين الإعلام وهو أسهل مخرج لتبرير فشله.
لكن المسألة اليوم أعمق من مجرد تقرير صحافي. فحزب الله لا يكتفي بامتلاك سلاح خارج عن شرعية الدولة، بل يدير عملياً دولة داخل الدولة. فهو يمتلك سجونه الخاصة، ويعتقل ويحتجز فيها لبنانيين خارج أي إطار قانوني، ولديه منظومة تحقيقات موازية. والأخطر أن هذه المنظومة لا تبقى دائماً خارج المؤسسات، بل تمتد أحياناً إلى داخلها، حيث يجري تمرير بعض التحقيقات إلى القضاء اللبناني، ولا سيما العسكري، وكأن الحزب أصبح جهازاً أمنياً رسمياً يزوّد الدولة بالأدلة.
بهذه الطريقة، لا يكتفي الحزب باحتكار السلاح، بل يحاول أيضاً احتكار العدالة واغتصابها.
أما السخرية اللاذعة فتتجلى في أن هذا التنظيم، الذي يدرك اللبنانيون جميعاً دوره في اقتصاد الكبتاغون وشبكات التهريب، يشن حملات تخوين ضد كل من يجرؤ على تصوير واقعه وكشف حقيقته.
فمجرد أن يصرح أي لبناني بأن الحزب متورط في تجارة المخدرات، أو يذكّر بأن تاريخه متلطخ بدماء ضحايا اغتيالاته، يصبح فوراً "عميلاً للخارج" و"صهيونياً" و"خائناً".
هكذا ببساطة، عملاء إيران يتهمون اللبنانيين بالعمالة؛ والميليشيات التي ترتبط بمشروع إقليمي تتهم من يطالب بسيادة الدولة بأنه عميل.
هذه ليست مفارقة فحسب، بل تهريج سياسي عارم. والحقيقة التي يحاول الحزب إخفاءها تختلف كليًا.
الضربات التي يتعرض لها ليست ناجمة عن تقرير تلفزيوني، بل هي نتيجة بنية عسكرية مكشوفة ومتهالكة.
والاختراقات التي يتحدث عنها همساً داخل صفوفه لا يقف وراءها صحافي في بيروت، بل ولّدتها منظومة كاملة تعيش حالة تآكل داخلي.
ففي الوقت الذي يطلب فيه من جمهوره أن يستعد لحروب وجودية، يعيش جزء كبير من قادته في عالم آخر: عالم الصفقات، والاقتصاد الموازي، وشبكات التهريب، وحياة البذخ التي لا تشبه أبداً صورة "المقاومة" التي يبيعونها للناس.
والأدهى من ذلك أن الحملة على MTV لا تستهدف القناة بقدر ما تستهدف البيئة نفسها التي يدّعي الحزب الدفاع عنها.
فهو يريد أن يقول لجمهوره: "انظروا، هناك مؤامرة إعلامية عليكم". وهي الرواية نفسها التي يستخدمها دائماً لتبرير الفشل وتهيئة الأرضية لما بعد الحرب.
إن ترهيب الإعلام لا يستهدف إسرائيل.
استراتيجية الترهيب والوعيد اليوم موجّهة إلى شارعه هو. فالحزب يدرك أن المرحلة المقبلة ستكون صعبة وسيتعرض من داخل بيئته لتساؤلات عن الخسائر، وعن الحرب وتداعياتها، وعن الاقتصاد الموازي، إضافة إلى السلاح ومستقبل مجهول ينتظرهم.
ولهذا يحاول منذ الآن استحداث عدو داخلي يرمي عليه كل هذه التساؤلات لا بل يحمله فشله الذريع داخل بيئته.
مرة أخرى، ليست MTV هي الهدف الحقيقي.
الهدف هو تمرير رسائل إلى كل إعلامي لبناني:
إذا نطقتكم بالحقيقة، سنهددكم.
إذا رفعتم الصوت، سنخونكم.
وإذا استمر نضالكم في سبيل نشر الحق، سنهاجمكم.
مشكلة هذه الاستراتيجية أنها تقوم على فرضية قديمة خاطئة هي أن اللبنانيين ما زالوا يخافون.
لكن الواقع قد تبدل، اللبنانيون يعلمون جيداً من الذي خطف دولتهم، ومن الذي حوّل مدنهم إلى ساحات حرب، ومن الذي جعل بلدهم رهينة لمشروع إقليمي لا علاقة له بمصالح لبنان.
ولذلك فإن الدفاع عن MTV اليوم ليس دفاعاً عن محطة تلفزيونية فقط، إنه دفاع عن منطق جوهري مفاده أن قول الحقيقة لا يندرج في إطار الخيانة.
الخيانة الحقيقية هي أن تختطف ميليشيات بلداً كاملاً، ثم تتهم الصحافة بأنها تقف وراء الكارثة.
والخيانة العظمى هي أن السلاح الذي بُرِرَ وجوده للدفاع عن لبنان تحول إلى أداة لقمع اللبنانيين وإسكات أصوات الحق فيهم.
أما محاولة تصويب الاتهام نحو الإعلام اللبناني وتصنيفه كمرتكب، فهذه ليست سوى آخر فصول المسرحية القديمة نفسها: مسرحية الضحية التي تريد أن تكون جلاداً في الوقت عينه.
معضلة حزب الله هي أن مسرحياته هذه لم تعد تقنع أحداً.

