انتهت حفلة مجلس الخبراء في طهران، وأُسدل الستار على واحدة من أكثر اللحظات غرابة في تاريخ نظام ولاية الفقيه؛ إذ جرى تتويج مجتبى خامنئي وريثاً لعرش والده الولي الفقيه، علي خامنئي.
في مشهد أقرب إلى توريث سياسي-ديني، وخارج السياق الفقهي والمرجعية الدينية المزعومة، اعتلى مجتبى عرش والده في نظام الولي الفقيه دون اعتراض المعمّمين في النظام الإيراني.
لكن ما يثير الدهشة، وربما الريبة، أن هذا الحدث الذي يمس جوهر النظرية أو العقيدة التي يقوم عليها النظام الإيراني لم يرافقه أي نقاش فقهي علني داخل البيت الشيعي في إيران.
ولم نسمع مرجعاً شيعياً بارزاً يشرح الأساس الفقهي لتوريث الابن، ولم نقرأ بياناً علمياً يبرر انتقال السلطة الدينية والسياسية بهذه الصورة.
يبدو أن الحجة العاطفية والأسرية لعبت دورها الصامت في صياغة القرار، قبل أن تتحول إلى اتفاق مفاجئ داخل مجلس الخبراء والحوزة.
كما يبدو أن مثل هذه المحاور أصبحت محرّمة في الوسط الديني الإيراني؛ فالحوزة العلمية، التي يُفترض أن تكون فضاءً للنقاش والاجتهاد، تبدو اليوم أقرب إلى دائرة صمت ثقيل وطأطأة للرؤوس.
في المقابل، تنشغل المنابر الدينية بالدعاء الثوري والتعبئة السياسية والدعاية الإعلامية Propaganda، أكثر من انشغالها بتفسير هذا التحول الفقهي الخطير في بنية السلطة الدينية.
ما يصل إلى الخارج من أخبار عن البيت الشيعي الإيراني ليس سوى شذرات قليلة، يأتي معظمها في صورة دعاية سياسية تتحدث عن الصمود الروحاني للنظام، في حين تتجنب بعناية أي نقاش حقيقي حول شرعية انتقال السلطة داخل نظام ولاية الفقيه.
كتاب "The Hidden Messages in Water" للمؤلف الياباني الدكتور ماسارو إيموتو ناقش أثر الكلمات والأفكار في بلورات الماء عند تجميده، بحيث تعكس تلك البلورات طبيعة العواطف والأفكار الكامنة.
غير أنَّ فكرة الكتاب، مهما بدت طريفة وعميقة علمياً، لن تساعدنا في قراءة ما جرى داخل مجلس الخبراء؛ لأن العقول التي اجتمعت خلف الأبواب المغلقة تبدو أكثر تعقيداً وغموضاً من أن تُقرأ حتى ببلورات الماء أو ضرب الودع وقراءة الطالع.
وهنا تبرز مفارقة أخرى، فالوريث الجديد مجتبى لا يرث السلطة السياسية والدينية فحسب، بل يرث أيضاً، وفق تقارير غربية، ثروة هائلة مرتبطة بإمبراطورية مالية يديرها بيت الولي الفقيه في أحياء راقية من العاصمة لندن.
لكن السؤال عن مصادر هذه الثروة، أو عن طبيعة العلاقة بين السلطة الدينية والمال في إيران، يبدو بدوره سؤالاً محرماً؛ فمجلس الخبراء لا يحقق، ومجلس الثورة لا يراجع، كأن الحديث في هذا الملف يقع في المنطقة المحظورة بين السياسة والفقه.
وهكذا تكشف قصة صعود مجتبى خامنئي عن تحول عميق في طبيعة نظام الولي الفقيه. فالنظرية أو العقيدة التي قامت يوماً على أساس فقهي تبدو اليوم أقرب إلى توريث سياسي وديني داخل بيت السلطة الثورية الإيرانية.
إنها لحظة فارقة في تاريخ إيران وثورتها؛ لحظة ينتقل فيها النظام، بهدوء مريب، من شرعية الثورة إلى شرعية الوراثة.
وفي تلك اللحظة، يصبح السؤال الأكبر ليس من هو الولي الفقيه القادم، بل: هل ما زالت إيران تُحكم بولاية الفقيه، أم بعائلة حاكمة ترتدي العمامة؟
إن صمت الحوزة، وغياب النقاش الفقهي العلني، وتحول مجلس الخبراء إلى شاهد زور، أو صامت، على عملية التوريث، كلها مؤشرات لا يمكن تجاهلها في قراءة المشهد الإيراني.
فحين تتحول ولاية الفقيه من نظرية وعقيدة دينية إلى سلطة وراثية، فإن السؤال لم يعد عن اسم الولي الفقيه القادم، بل عن مصير ولاية الفقيه نفسها ودستور الثورة.
وربما لهذا السبب تبدو طهران اليوم أكثر انشغالاً بتصدير الأزمات إلى الخارج، لأن النقاش الحقيقي داخل البيت الإيراني بات أكثر حساسية وخطورة من أي مواجهة خارجية.
أما مجتبى خامنئي، فقد أصبح بالفعل وريثاً لعرش الولي الفقيه...
لكن التاريخ وحده سيحكم إن كان هذا التتويج بداية استقرار للنظام، أم بداية مرحلة جديدة من تصدعاته الداخلية.

