: آخر تحديث

الزواج: هل يولِّد الاستقرار؟

6
6
6

في هذه الأيام قلّما يقع السمع على خبر زواجٍ سعيد يستقر في ظلال الطمأنينة ويثمر سكينةً في النفوس. كأنّ الناس باتوا يتداولون قصص الإخفاق أكثر مما يتناقلون حكايات الوفاق، حتى يخيل إلى المرء أحياناً أنّ الزواج نفسه قد صار نظاماً واهناً لم يعد يصلح لزمنٍ تبدّلت فيه النفوس وتسارعت فيه الأيام. ولكن، حين يتأمّل الإنسان قليلاً، يثور سؤال أعمق: أحقّاً في النظام خلل؟ أم أن الخلل يكمن في توقعاتنا نحن، وفي الطريقة التي نقبل بها على الحياة عامةً وعلى الزواج خاصةً؟

لا ريب أنّ الزواج، شأنه شأن كل ما في هذه الحياة، لا يخلو من العيوب. فالدنيا كلها، بما فيها من جمال ونقصان، قائمة على مزيجٍ من اللذة والتعب، ومن الرجاء والخيبة. وليس في الوجود أمرٌ خالص الصفاء، منزوع الكدر. وللزواج، بلا شك، متاعبه ومسؤولياته الثقيلة، وأعباؤه النفسية والاجتماعية التي تتطلب صبراً ومجاهدة. غير أنّ الهروب من المتاعب وهمٌ لا يلبث أن يتلاشى، لأن الحياة نفسها، سواء عاشها الإنسان في زواجٍ أو في عزلة، لا تُعطي أحداً امتياز الراحة المطلقة.

إنَّ كثيراً من الرجال والنساء يقبلون على الزواج وهم يحملون في أذهانهم صورةً حالمةً، يرونه فيها واحةً من الصفاء الدائم، ومتعةً لا يعكرها شيء، وحلاوةً لا تمسها مرارة. يدخلونه كأنهم يدخلون فردوساً أرضياً يُنهي عناء الأيام ويعوّض ما فات من حرمان. لكن الحياة، بطبيعتها الصارمة، لا تستجيب لمثل هذه الأوهام. وما إن تمضي الأيام الأولى حتى تبدأ الحقيقة في الظهور، فتتبدد تلك الصورة المثالية، ويجد المرء نفسه أمام واقعٍ أكثر تعقيداً وأشد كثافةً مما ظن.

وحينئذٍ تبدأ الشكوى، ويعلو التذمّر، وتضيق الصدور بما لم تكن تتوقعه. لا لأن الزواج في ذاته مأساة، بل لأن التوقعات كانت أكبر من الواقع، وأبعد عن طبيعة الحياة. فالذي يواجه الحياة بخفةٍ في التفكير، أو بغير استعدادٍ للصبر والمقاومة، سرعان ما ينكسر أمام أول اختبار.

وقد كنت ذات يوم أتحدث في مثل هذه المعاني مع صديقٍ أثقلته تجارب الحياة، فقال لي في شيءٍ من المرارة إن الزواج نظامٌ أخفق في هذا العصر، ولم يعد صالحاً كما كان. ولم أستغرب رأيه، فقد عرفته رجلاً نالته من الحياة نكبات قاسية، لكنني لم أستطع أن أوافقه على حكمه. قلت له بهدوء: ما خلا زمنٌ قط من سعداء بالزواج وأشقياء به، ولا من راضين وساخطين على شؤون الحياة كلها. فالإنسان لم يتغير في جوهره كثيراً، والمرأة ما تزال هي المرأة، والرجل ما يزال هو الرجل، كما عرفهما آباؤنا وأجدادنا.

ثم سألته: ماذا تطلب من الزواج؟

فقال: أطلب الراحة والاستقرار، فماذا يمكن أن يطلب الإنسان غير ذلك؟

ابتسمت وقلت له: إنَّ الراحة المطلقة مطلبٌ لا يتحقق في هذه الحياة. ولو تحققت لما شعر بها صاحبها، لأن الراحة التي لا يعقبها تعب لا تُدرك قيمتها. أما الاستقرار الكامل فكيف يكون، وحياتك كلها قائمة على التغيّر؟ جسدك يتبدّل، ونفسك تتحوّل، وأفكارك وأحلامك وشهواتك لا تثبت على حال. فكيف نطلب من علاقة بشرية أن تمنحنا ما تعجز عنه طبيعة الحياة ذاتها؟

قال: إنما أعني الراحة النسبية، والاستقرار مقارنةً بحياة العزوبة والوحدة.

فقلت له: حتى هذه ليست الغاية الحقيقية للزواج. فالزواج ليس أداةً للراحة، ولا آلةً لإنتاج الطمأنينة كما يتوهم كثير من الناس. إنه في جوهره نظام اجتماعي، يقتضيه انتظام الحياة البشرية واستمرار المجتمع. فإذا ارتضى الإنسان أن يعيش في ظل هذا النظام، فعليه أن يقبل بشروطه كما هي، لا كما يشتهيها.

وشبّهت له الأمر بالجندية. فالجندي يدخل الجيش وهو يعلمُ أنه مقبل على نظام صارم، لا يعده بالراحة ولا بالمتعة، بل يهيئه للمشقة والانضباط وربما للمخاطر. ومع ذلك يقبل به لأنه جزء من ضرورة الجماعة. أما طالب الزواج فيدخل هذا النظام وهو يمني نفسه بأحلامٍ وردية، فإذا اصطدم بالواقع ضاق صدره وندم.

ولو أن المقبلين على الزواج هيأوا أنفسهم لما فيه من تعبٍ وصبرٍ واحتمال، كما يفعل الجندي حين يرتدي بزته العسكرية، لوجدوا في الزواج، بالرغم من مشقته، لذاتٍ عميقةً ونعماً كثيرة. فالمعاناة المشتركة كثيراً ما تولّد بين القلوب روابط لا تنشأ في أوقات اليسر وحدها.

والحق أن الزواج، مهما قيل فيه، يظل ضرورةً من ضرورات الحياة الإنسانية. فليس مجرد علاقة بين رجل وامرأة، بل هو إطارٌ لبناء الأسرة، والأسرة هي الخلية الأولى التي يقوم عليها المجتمع. وفي ظله تنشأ الأجيال، وتتكون القيم، وتتشكل معاني الانتماء والأمان.

إنَّ الاستقرار الذي يولّده الزواج ليس استقراراً ساكناً خالياً من الاضطراب، بل هو استقرارٌ حيّ يتكوّن من المشاركة اليومية في مواجهة الحياة: في التعب كما في الفرح، في الخلاف كما في التفاهم. إنه أشبه بنهرٍ يجري باستمرار، لكنه يظل مع ذلك محتفظاً بمجرى واضح يمنح الماء اتجاهه ومعناه.

ولعلَّ أعظم ما في الزواج أنّه ليس مجرد عقدٍ اجتماعي، بل رابطة إنسانية عميقة، تقوم على المودة والرحمة، وتمنح الإنسان شعوراً بأن حياته ليست معزولة عن حياة الآخرين. ففي هذا الارتباط يكتشف المرء معنى المشاركة، ويتعلم أن وجوده لا يكتمل إلا بوجود من يشاركه الطريق.

ولهذا، مهما تعاظمت الشكوى وتعددت القصص المؤلمة، يبقى الزواج أحد وجوه سنة الحياة، ورباطاً مقدساً يذكّر الإنسان بأنه كائن اجتماعي، وأن الطمأنينة الحقيقية لا تولد من العزلة، بل من القدرة على العيش مع الآخر في رحابة القلب وسعة الصبر.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.