: آخر تحديث

الحرب الحالية ليست النهاية

8
8
8

يمكن القول إن الخطر الإيراني ليس استثناءً عابرًا، بل حلقة في سلسلة مخاطر مستمرة واجهتها دول الخليج وتواجهها منذ عقود طويلة؛ فمن حرب العراق مع إيران في الثمانينيات، إلى غزو الكويت وما تبعه من تحولات استراتيجية في التسعينيات، مرورًا بصعود تنظيمات عابرة للحدود مثل القاعدة وداعش، وصولًا إلى التهديدات الإيرانية المباشرة وعبر الوكلاء والصواريخ والطائرات المسيّرة. ظل الخليج في قلب بيئة أمنية شديدة التعقيد، ومع ذلك فإن إدارة هذه المخاطر لم تكن دائمًا مبنية على منطق الردع الكامل بقدر ما تأثرت بخطابات سياسية وإعلامية متناقضة ظاهريًا، لكنها التقت عمليًا عند نتيجة واحدة: إضعاف دول الخليج العربي.

فعلى مدى سنوات طويلة، تعرضت فكرة توسيع القواعد العسكرية أو تطوير وجود عسكري أكبر وأكثر وضوحًا في الخليج لحملات تشكيك وتحذير، وقد جاءت هذه الحملات من أكثر من اتجاه. فمن جهة، حرصت إيران منذ سنوات على الترويج لفكرة أن وجود القواعد الأجنبية في الخليج يمثل تهديدًا للاستقرار الإقليمي، وأن أمن المنطقة يجب أن يُدار دون وجود قوى دولية. هذا الخطاب لم يكن بريئًا بطبيعة الحال، بل كان يهدف إلى تقليص البيئة العسكرية التي يمكن أن تحدّ من قدرة إيران على الحركة أو الردع، وإلى إبقاء الخليج في موقع دفاعي محدود يسهل الضغط عليه أو استهدافه عند الأزمات.

ومن جهة أخرى، ساهمت بعض الخطابات القومية الشعبوية في ترسيخ سردية موازية تقوم على اعتبار أي شراكة أمنية مع الغرب نوعًا من الاستعمار الجديد. هذه الخطابات لم تكن تعكس قراءة واقعية لموازين القوى، بل كانت امتدادًا لعقلية سياسية قديمة عُرفت بعدائها التاريخي للغرب منذ حقبة الحرب الباردة، حين تبنّت معظم هذه التيارات تحالفات وثيقة مع الاتحاد السوفييتي واعتبرته آنذاك المخلّص أو الداعم الطبيعي لها. والمفارقة أن هذه التيارات، التي كانت نفسها مرتبطة بتحالفات خارجية، لم تتردد في تقديم النصائح لدول الخليج حول الاستقلالية والسيادة، رغم أن تجربتها التاريخية كشفت مرارًا أنها لم تكن سوى امتداد لمحاور إقليمية أو دولية أخرى.

إلى جانب ذلك، لعبت بعض تيارات الإسلام السياسي مثل تنظيم الإخوان المسلمين، المصنَّف إرهابيًا في عدد من الدول، دورًا آخر في تغذية هذه السرديات؛ فقد تبنّى عدد من رموز هذه التيارات خطابًا يرفض استقدام القوات الأجنبية إلى المنطقة من منطلقات أيديولوجية، حتى في اللحظات التي كانت فيها دول الخليج تواجه تهديدات وجودية. ويكفي التذكير بما حدث أثناء غزو العراق للكويت عام 1990، حين صدرت عن شخصيات مرتبطة بتيار الإخوان المسلمين فتاوى ومواقف تحرّم الاستعانة بالقوات الدولية لتحرير الكويت، بينما لم تُبدِ الحدة نفسها تجاه بقاء الاحتلال العراقي، أو حتى تجاه فكرة الاستعانة بإيران أو قوى إقليمية أخرى. هذه المفارقة كشفت أن القضية لم تكن رفض الهيمنة بقدر ما كانت رفضًا انتقائيًا للشراكات الدولية، وهو موقف ساهم عمليًا في تغذية سردية تُضعف قدرة دول الخليج على حماية أمنها في لحظات الخطر.

وفي خضم هذا المشهد، برزت في السنوات الأخيرة أصوات نشاز تحمل فكرًا عقيمًا ومتخلفًا تحاول إعادة إنتاج الخطابات نفسها ولكن بوجوه جديدة، حيث تسعى بعض التيارات ذات النزعة الأيديولوجية أو الشعبوية إلى تقديم نفسها بوصفها الأكثر تدينًا أو الأكثر قومية، بينما تحاول في الواقع توجيه دول الخليج نحو سرديات مظلمة تعيد إنتاج الفشل ذاته الذي عاشته المنطقة لعقود. هذه الأصوات لا تقدم حلولًا واقعية بقدر ما تعيد تدوير خطاب يقوم على تخوين الشراكات الدولية وتمجيد مشاريع إقليمية ثبت تاريخيًا أنها لم تجلب سوى الفوضى وعدم الاستقرار.

وفي تقديري، تكشف التجربة بوضوح أن الخطاب الذي رُوِّج لسنوات طويلة حول ضرورة رفض الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة لم يكن سوى خدعة سياسية استُخدمت لإضعاف قدرة الخليج على بناء ردع فعلي. فالعالم المعاصر قائم على شبكات من الشراكات والتحالفات العسكرية والأمنية، وكل دولة في النظام الدولي تمتلك علاقاتها العلنية والضمنية مع قوى الشرق والغرب بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. أما الادعاء بأن دولًا معينة تستطيع العيش خارج هذه المعادلة فهو ادعاء يتجاهل طبيعة النظام الدولي نفسه.

ومن هنا، فإن الركون إلى هذه السرديات المعادية للأمن الوطني لم يعد خيارًا يمكن التساهل معه، بل أصبح من الضروري مواجهتها بالفعل وكشف تناقضاتها؛ لأن أمن الخليج واستقرار هذه المنطقة الحيوية للعالم يتطلبان سياسات واقعية قادرة على حماية المصالح الوطنية وصون الاستقرار الإقليمي.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تفرض مراجعة أكثر واقعية لأسس الأمن الإقليمي. أول هذه الدروس يتمثل في ضرورة الانتقال من ثقافة القلق من القواعد العسكرية إلى ثقافة توظيفها كجزء من منظومة ردع متكاملة، تشمل توسيع القواعد القائمة وتطويرها لتكون قادرة على استضافة أعداد أكبر من القوات والأسلحة الأجنبية، بما في ذلك منظومات ومعدات هجومية متقدمة، بحيث تتحول المنطقة إلى شبكة قواعد متكاملة قادرة على الردع الفعلي لا الرمزي. كما يتطلب الأمر تطوير بنية دعم لوجستي مشترك ضخم يربط القواعد العسكرية في الخليج ضمن منظومة عملياتية واحدة قادرة على دعم العمليات العسكرية طويلة الأمد، إضافة إلى الاستثمار في تحصين وتحديث البنية الأساسية العسكرية والمدنية لمواجهة الهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

وثاني هذه الدروس يتمثل في تعزيز التكامل الدفاعي بين دول الخليج، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والإنذار المبكر ومواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما يحول دون بقاء كل دولة في مواجهة التهديدات بشكل منفرد. أما الدرس الثالث فيتعلق بضرورة التعامل بقدر أكبر من البراغماتية مع الشراكات العسكرية الدولية بوصفها عنصر استقرار يساهم في حماية طرق التجارة والطاقة وضمان أمن المنطقة في مواجهة المشاريع التوسعية.

إن الأمن في عالم اليوم لا يُبنى بالشعارات ولا بالتمنيات، بل بميزان قوة واضح يفرض احترامه على الجميع. وبلا شك، فإن أمن الخليج واستقرار هذه المنطقة الحيوية للعالم ليسا مسألة نظرية أو موضوعًا للجدل الأيديولوجي، بل حقيقة استراتيجية تفرضها الجغرافيا والاقتصاد ومصالح النظام الدولي بأسره.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.