: آخر تحديث

في أزِقَّة الرقميات

6
6
6

لا يُخفى على كل من يُواكب التطورات التكنولوجية أن ثورة الاتصالات جعلت العلاقة بين الواقعي والمفترض متداخلة إلى أبعد حد، لذا فحالة المنشغل بإدراك الأماكن المجهولة في الطبيعة وخوض تجربةٍ جديدة من باب الاطلاع وحب الاستكشاف، غدت مماثلة نوعاً ما لحالة ذلك المغرم بالغوص إنترنيتياً في النفوس البشرية والبحث عن الآسر أو المثير أو الفريد في دنيا الآخر.

ولكن بالرغم من المشاعر الإيجابية التي تحيط بالمغامر إبان التحري أو التنقيب، إلا أنه كما تعترض الرحّالة والكشافين عشرات الإشكايات وتصادفهم شتى العراقيل، ويواجهون مخاطر كبيرة في دروب الحياة وميادينها، كذلك الأمر قد يحدث ما يماثله في عالم التقانة بالنسبة إلى من يحاول التعرف على كنه أناسٍ لا يشبهونه بشيء من خلال كوّات التعارف عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ولنقترب من الجانب الخاص أكثر، ففي حال كنتَ/تِ صديقاً لأحدهم على إحدى منصات وسائل التواصل، فمعناه أن ثمة مشتركات بينكما، قد لا يكون المشترك بالضرورة قائماً على الهم السياسي الصرف، أو التوجه الدنيوي العام، أو الميل الفني والأدبي، ولكن من المفروض أن يكون ثمّة ما يُعزِّز ذلك التقارب أو التودُّد المبدئي، كهواية ما، أو قضية ما تجمعكما، أو على الأقل هنالك تقاطعات فكرية أو دينية بينكما، هذا غير البُعد الاجتماعي الصرف الذي غدا الآن يُعوِّل على الاتصال الإنترنيتي من خلال منافذ التواصل الاجتماعي كبديل عن الاقتران الواقعي.

لا شك أن الفضاء الإلكتروني رحب جداً، ولكنك في رِحابه الواسع لستَ سماءً ولا حتى نجمةً خجولةً، إنما تبقى شخصاً واحداً مهما تعاظم دورك أو شأنك، لست ملعباً كونياً حتى تستقطب أرتالاً من المتسكعين في أزقة الرقميات، لذا من الطبيعي أن لا تتعجل في استقبال كل عابِر، فكُوّتك التقنية ليست مضافة قبيلة في عرض الصحراء، وبديهي أن تتريث حين يرسل لك أحدهم طلب المنادمة ولا شيء يجمعك به/ا، أو تلاحظ بعد القيام بجولةٍ سريعة على جداره/ا الشخصي بأن تسعون بالمئة من منشوراته/ا، هي إما صور لزعيمٍ سياسي، أو أيقونات دينية، أو مقاطع لحيواناتٍ برية، أو مشاهدَ لمدن الملاهي والمغامرات حول العالم، أو لوحات إباحية، أو أفلام بورنو، فهذه الصداقة لن تعرف لها أي معنى، ومن المفروض قبل الموافقة أن تتساءل: يا ترى أيُّ مشتركٍ بيني وبين هذا المجهول حتى بكل أريحية جاء يُطالب بعقد الصداقة الرقمية معي؟ وأنا الذي لم أفصل الواقع عن هذا الفضاء الموازي أو البديل يوماً.

وبما أنك معنيٌّ بتبعات الخطوات التي تُقدم عليها، لذا فبعد التورط في التواصل الكتابي أو الصوتي مع بعضهم نتيجة الاستعجال أو عدم الاكتراث بالعواقب، فليس من اليسير التحرُّر من تبعات ما كُتب أو ما تم إرساله مسجَّلاً، وبالتالي صعوبة تخليص اللِّحى من أيدي الجهة الممسكة بها إلاَّ بشق الأنفس، أو ربما بعد حلاقة لِحاها والتخلص من كل خيوطها وتأثيراتها التواصلية، وكذلك الأمر صعوبة التخلص من عواقب بعض المكالمات المصَّورة مِن قِبل الطرف الآخر.

على كل حال، فبما أن لكل شيءٍ أكثر من وجه، منها ربما كان غارقاً في عتمة الإشكاليات، ومنها قد يكون بمثابة النافذة التي يطل منها الضياء، لهذا فبخلاف كل ما قيل في الأعلى بخصوص المحاذير والتأثيرات السلبية لتلك العلاقة لاحقاً، فإن ما يميز التواصل التكنولوجي عن الواقعي هو السرعة في التخلص من الشخص الذي لا نرغب بالاستمرار معه، وذلك من خلال القول له/ا: عذراً إن الجهاز الذي أستخدمه كأداة تواصل قد فرغ شحنهُ، أو القول إن الإنترنت انقطع من دون أن نعلم السبب، أو القول للمتصل من دون سابق إنذار: عذراً لقد هبطوا علينا الضيوف من حيث لا ندري، إلى ما هنالك من الحجج التي تساعد الشخص للتملص بأقصى سرعة من المحادثة مع الشخص الآخر.

وهذه الآلية المساعدة في الانفكاك السريع لم تكن متوفرة بتاتاً في الاتصال الواقعي المباشر مع الناس على أرض الواقع، وحتى إن حصل فكان على الأغلب يتم بعد خلافٍ أو نزاعٍ يؤدي غالباً إلى القطيعة، بناءً عليه فهل انتبهتم إلى حسنات وسائل التواصل الاجتماعي في هذا الإطار تحديداً؟ أم أنكم تمارسون هذه المزية التقنية من غير الإعلان عن ذلك لئلا تكشفوا عن سر الطريقة الناجعة؟ أم تلجؤون إلى الوسيلة تلك ولكنكم لا تنوون الإقرار بذلك لكي لا تجرحوا مشاعر من تتصرفون معهم بتلك الذريعة؟ أم ما زلتم تعانون من المتسللين والفضوليين والمتطفلين والحشريين لأنكم تخجلون من رتق أو إغلاق الكوّةِ بوجه المتصل الفضائي كما أستحي أنا عادةً من اللجوء إلى آلية إغلاق باب البيت بوجه أيَّ كائنٍ واقعي؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.