: آخر تحديث

إلى صديقي ترامب… بين ما يُفعل وما يُقال

6
6
6

إلى صديقٍ لا يشبه أحداً… إلى صديقي الذي لا يعرف أنني أعتبره صديقاً، إلى الرجل الذي يُربك خصومه كما يُربك حلفاءه، إلى دونالد ترامب.

لن أجاملك، فأنت لست من نوع الرجال الذين ينتظرون المجاملات، ولا أنا من الذين يجيدونها، لكنني سأقول لك شيئاً قد لا يقوله لك كثيرون: أنا أعتبرك صديقاً!

بالرغم من أنك صديق صعب المراس، متقلب، لا يمكن التنبؤ بخطواته، وقد يبتسم لك اليوم ويقلب الطاولة غداً دون سابق إنذار!

الصداقة، في عالم السياسة، ليست عاطفة، بل تقاطع مصالح، ووضوح في العداء، وشجاعة في اتخاذ القرار. وهنا تحديداً، بدأت حكايتنا.

في زمنٍ اختلطت فيه الخطوط، وتداخلت فيه الأقنعة، وارتدى القتلة ثياب الضحايا، كنتَ أنت من القلائل الذين قالوا الأشياء بأسمائها، أو على الأقل فعلوا ذلك بطريقتهم الخاصة. لم تكن مثالياً، ولا متزناً دائماً، بل أحياناً كنت فوضوياً إلى حد الإرباك، لكنك، وهذا ما يهمني جداً، لم تكن جباناً أبداً. أتعلم لماذا أعتبرك صديقي؟

لأنك لم تتعامل مع المنطقة بعقلية "إدارة الأزمة"، بل بعقلية "كسر الطاولة"، وهذا ما فعله كثيرون قبلك ولم يجرؤوا على الاعتراف به. لكنك فعلتها علناً، وبصوت عالٍ، وبطريقة لا تشبه غيرك.

لقد مرّت سنوات طويلة، ونحن نرى أسماءً ثقيلة تتحرك في الظل، تُشعل الحروب، وتُغذي المليشيات، وتُصدّر الفوضى، بينما العالم يكتفي بالبيانات القلقة والابتسامات الدبلوماسية. ثم جئت أنت، وقررت أن تختصر الطريق.

سليماني، كان مشروع دولة داخل دولة في كل مكان ذهب إليه، ونصرالله، كان دولة داخل الفراغ.

وخامنئي، كان رأس المنظومة التي تُدير كل ذلك بصبر الفرس ودهاء الثعالب.

وها أنت، بطريقتك الخاصة، وضعت نهاية لمرحلة كاملة. قد يختلف الناس في تقييمك، وقد يكرهك كثيرون، لكنهم في قرارة أنفسهم يعرفون أنك لم تكن مجرد رئيس عابر، بل كنت زلزالاً سياسياً غيّر قواعد اللعبة في السياسة والاقتصاد وحتى الثقافة والرياضة. أنا لا أبرئك، ولا أُقدّسك، ولا أراك بطلاً خارقاً، بل أراك لاعباً شرساً على رقعة شطرنج معقدة، لكن ما يعجبني فيك أنك لا تُخفي نيتك في الفوز، ولا تتظاهر بالأخلاق حين تكون المعركة مفتوحة.

ومع ذلك، دعني أقول لك شيئاً بصراحة الصديق:

المنطقة لم تنتهِ بعد من ملفاتها العالقة، نعم، سقطت رؤوس كبيرة، وتراجعت قوى كانت تبدو عصيّة على الكسر، لكن اللعبة لم تُحسم. ما زالت هناك جيوب للفوضى، وأذرع تتحرك، ومليشيات تتنفس في الظل. عبدالملك الحوثي لا يزال هناك، وبعض الرؤوس في العراق ما زالت تعتقد أن الزمن لم يتغير وأنهم يمكنهم هزيمة أميركا بالكلاشنكوف، لكن الحقيقة تغيّرت، وأنت تعرف ذلك.

لقد تغيّرت قواعد الاشتباك. لم يعد العالم كما كان، ولم تعد "الدولة العميقة" وحدها من تُدير المشهد. هناك لاعبون جدد، وأدوات جديدة، وزمن أسرع لا ينتظر أحداً.

وهنا، يأتي سؤالي لك، كصديق:

هل كنت تقاتل لتُنهي الفوضى، أم لتُعيد تشكيلها؟

أعرف أنك لا تحب الأسئلة الفلسفية، لكن المنطقة التي دخلتها ليست مجرد خرائط ونفط وصفقات. إنها ذاكرة، وثأر، وعقائد، وشعوب أنهكتها الحروب وتبحث عن لحظة صدق. أنت نجحت في كسر بعض الرموز، لكن كسر الرموز لا يعني دائماً بناء الاستقرار.

الصديق الحقيقي لا يُصفق فقط، بل يُذكّر، وأنا أذكّرك بأن القوة، حين لا تُستكمل برؤية، تتحول إلى جولة أخرى من الصراع. وأن الانتصار، إن لم يُترجم إلى نظام جديد أكثر توازناً، سيبقى مجرد لحظة عابرة في تاريخ طويل من الفوضى.

ومع ذلك، دعني أكون صريحاً حتى النهاية: أنا أُفضّل صديقاً يمكن أن يخطئ وهو يحاول أن يحسم، على صديقٍ يتقن الكلام ولا يفعل شيئاً مثل أوباما وبايدن بالرغم من أني لا أعتبرهما أصدقاء ولا حلفاء. وأنت، على كل ما فيك، لست من الصنف الثاني. لهذا، أعتبرك صديقي.

ختاماً، الحسم الحقيقي لا يُقاس بعدد الضربات، بل بقدرتك على إعادة تشكيل التوازن. في اليمن، يبقى الإرهابي عبدالملك الحوثي عقدة المشهد ومعرقل السلام، وفي العراق ولبنان تتحرك أذرع الحرس الثوري الإيراني بمرونة أخطر من المواجهة المباشرة. نسّق بعمق مع السعودية العظمى ودول الخليج العربي ومصر والأردن، ووازن علاقتك مع الصين وروسيا دون أن تمنحهما فراغاً استراتيجياً. لا تهمل أفريقيا كساحة نفوذ صاعد، ولا أوروبا كميزان شرعية دولية. النصر ليس إسقاط خصم، بل منع ولادة خصم جديد من نفس الفوضى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.