: آخر تحديث

على الحصيرة… حين يمر الزمن ولا ننهض

3
2
2

ثمة نصوص تُكتب في لحظة عابرة، لكنها لا تكشف معناها الكامل إلا بعد مرور الوقت. نصوص تبدو كأنها تأمل بسيط في أحوال الناس، ثم نكتشف بعد سنوات أنها لم تكن مجرد وصف للحظة راهنة، بل كانت تقرأ المستقبل بطريقتها الخاصة، أو الأدهى من ذلك، أنها كانت تتنبأ بأن المستقبل سيكون صورة طبق الأصل من الحاضر. وربما يكون الأكثر إيلاماً، أن نكتشف أن هذا المصير الفردي، هو ذاته المصير الجمعي الذي تعيشه أمتنا.

تأمل في جمود فردي
في كانون الثاني (يناير) من عام 2021، كتبتُ كلمات تحت عنوان "على الحصيرة". كانت سطوراً من العامية القصيرة. لم تكن محاولة لكتابة قصيدة بالمعنى التقليدي بقدر ما كانت تأملاً في حالة إنسانية تتكرر كثيراً في حياتنا: ذلك الإحساس بأن الزمن يمضي سريعاً بينما يظل الإنسان في المكان نفسه، مؤجلاً ما كان يمكن أن يفعله اليوم إلى غدٍ لا يأتي. 

لكن ما أذهلني بعد ما يقارب الخمسة عشر عاماً (أو تزيد قليلاً) هو أن الزمن نفسه بدا وكأنه لم يتحرك. الجالس على الحصيرة لم ينهض بعد، والسنين التي كنا نعدها لنعوضها، ها هي تتكدس أمامنا. هذا هو السر الذي جعلني أعود لهذا النص اليوم؛ ليس لأني فخور به فحسب، بل لأن الزمن أثبت صحته، بل وتفوق في ترسيخ صورته.

الحصيرة.. من مكان جلوس إلى استعارة وجود
العنوان نفسه — "على الحصيرة" — لم يكن اختياراً عابراً. فالحصيرة في الذاكرة الشعبية رمز بسيط للحياة اليومية؛ مكان للجلوس الطويل، للحديث، للانتظار. لكنها هنا تتحول إلى استعارة أوسع وأعمق: هي استعارة عن "المنطقة الآمنة" أو "منطقة الراحة" التي نعرفها ولا نجرؤ على مغادرتها.

إنَّها ليست مجرد مكان للانتظار، بل هي أحياناً سجن نختاره بأنفسنا. فعندما نقول "لسه في نفس المكان على نفس الحصيرة"، فهذا يعني أن التغيير لم يحدث ليس فقط بسبب قسوة الظروف، بل ربما ألفة هذا المكان ووهم الأمان الذي يوفره. الجلوس على الحصيرة يعني أننا نراقب الزمن وهو يمضي، بدلاً من أن نمضي معه.

«مفيش فايدة».. عبارة تعبر أزمات الأمة
لهذا بدأت القصيدة بتلك العبارة الشهيرة التي أصبحت جزءاً من الذاكرة المصرية والعربية: «مفيش فايدة»، العبارة المنسوبة إلى الزعيم الوطني سعد زغلول، والتي تحولت مع الزمن إلى تعبير شعبي عن الإحباط حين يطول انتظار التغيير. 

لم تكن الغاية استدعاء حدث تاريخي بقدر ما كانت الإشارة إلى شعور إنساني قديم يتكرر عبر الأجيال. هنا تكمن عبقرية توظيف التراث: كيف أن "لا فائدة" التي قالها زعيم وطني قبل قرن، أصبحت ترددها الأمهات والآباء على موائدهم، ثم يعيد ابنهم أو حفيدهم اكتشافها من جديد. هذا هو "الزمن الذي يدور في حلقة مفرغة"، هذا هو الجرح الذي لم يلتئم، والدعوة التي لم تُجب بعد. «مفيش فايدة» لم تعد مجرد عبارة، بل صارت إيقاعاً يومياً.

العين بصيرة.. حين تكون الرؤية لعنة
وفي قلب النص تظهر الحكمة الشعبية المكثفة: «العين بصيرة والإيد قصيرة».

جملة تختصر مفارقة إنسانية عميقة: أن يرى الإنسان الواقع بوضوح، لكنه يشعر أحياناً بالعجز عن تغييره. لكن التأمل العميق في هذه العبارة يكشف عن طبقة أكثر قسوة. فالعين البصيرة هنا ليست مدحاً، بل هي لعنة إضافية على رأس العجز. 

كم هو موجع أن تبصر نهاية الطريق، وتظل رجلاك مغلولتين عند عتبة البداية؟ كم هي قاسية تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان ما ينبغي أن يحدث، لكنه يظل واقفاً عند حدود القدرة أو الإرادة؟ أن ترى بوضوح، أن تعرف طريق الخلاص، أن تدرك الحلم بتفاصيله، ومع ذلك تبقى يدك "قصيرة" عاجزة عن الوصول إليه... هذه هي القسوة الحقيقية التي تعيشها شخصية "الجالس على الحصيرة".

زمن حلزوني.. سنة تروح وسنة تيجي
ولعل ما يضاعف من وقع هذه المفارقة هو الإيقاع البسيط للحياة اليومية: سنة تروح، وسنة تيجي، وإحنا لسه زي ما إحنا. لا لأن الأحلام خاطئة، بل لأن الانتظار قد يتحول أحياناً إلى عادة. 

هنا يتحول الزمن الخطي الذي نعرفه إلى ما يمكن تسميته "بالزمن الحلزوني"؛ زمن لا يتقدم إلى الأمام بقدر ما يدور حول نفسه. ما كان يبدو في 2021 تأملاً في بطء الحياة، تحول اليوم إلى شهادة على هذا المفهوم. "سنة تروح وسنة تيجي وإحنا لسه زي ما إحنا"... هذه الـ"زي ما إحنا" هي الثابت الوحيد في معادلة متغيرة، وهي التي تمنح القصيدة نبوءتها الحزينة. الـ"لسه" هذه تمتد من 2021 حتى اليوم، وكأن عقارب الساعة تدور في مكانها.

«يا سلام».. بين التصالح والاستسلام
ربما لهذا السبب ينتهي النص بنبرة تبدو خفيفة، لكنها تحمل عدة طبقات من الدلالة: «يا سلام… يا سلام… يا سلام». 

إنها ابتسامة صغيرة أمام مشهد العمر وهو يمر، بينما يجلس الإنسان مطمئنًا إلى أن الغد سيحمل ما لم يفعله اليوم. لكن "يا سلام" تحمل أكثر من معنى: فهي في طبقتها الأولى كلمة تعجبية، تعجب من هذا العمر الذي يمضي ونحن نائمون. وفي طبقتها الثانية، تحمل مسحة من سخرية الإنسان من نفسه ومن وضعه، تلك السخرية المرة التي تقال عندما يتأمل المرء تناقضات حياته. أما في طبقتها الثالثة، فربما تكون دعاءً خفياً، أو استسلاماً جميلاً. 

حين نقول "إحنا عايشين في الأحلام سلام"، فقد يكون ذلك تصالحاً مع الذات، وقد يكون استسلاماً للواقع. هذا الغموض الجميل هو ما يمنح الخاتمة ثقلها وجمالها.

من الفرد إلى الأمة.. المنطقة على الحصيرة
لكن عند عودتي لهذا النص اليوم، بعد ما يقارب الأربع سنوات، لم أجد نفسي فقط أمام صورة شخص يعيش على هامش عمره، بل وجدتني أمام صورة أوسع وأكثر إزعاجاً: صورة منطقتنا كلها، وكأنها جالسة على تلك "الحصيرة" ذاتها. 

الحصيرة التي كانت استعارة لـ "منطقة الراحة" الفردية، أصبحت اليوم استعارة لحالة من "الجمود الإقليمي" المريع. وكأننا جميعاً، دولاً وشعوباً، نراقب الزمن والعالم يمضي من حولنا بسرعة الضوء، بينما نحن عالقون في حلقة مفرغة من الصراعات والأزمات نفسها، نتبادل الاتهامات، وننشغل بتفاصيلنا الداخلية، ونتعامل مع ما يحدث حولنا بسياسة "التطنيش" أو "تجنب النظر" حتى اللحظة الأخيرة.

هذا "التطنيش" المقصود هو أخطر مراحل الجلوس على الحصيرة. هو ذلك الوهم بأن بإمكاننا عزل أنفسنا عن رياح التغيير العاتية، أو عن نيران الاضطرابات المشتعلة على حدودنا. نرى ما يحدث بعين "بصيرة"، ونعي جيداً أن الأخطار تتفاقم وأن المنطقة تئن، لكن إرادتنا السياسية تبقى "قصيرة"، عاجزة عن مد جسور حقيقية من التضامن الفاعل قبل فوات الأوان. نصمت وننتظر، على أمل أن تمر العاصفة من دوننا، غافلين عن أن الحصيرة نفسها قد تجرفها السيول.

مفيش فايدة.. صرخة شعوب أم إدانة نخب؟
ربما لهذا السبب، بدت لي عبارة "مفيش فايدة" التي استهللت بها النص، وكأنها ترددها اليوم شعوب بأكملها. إنه إحساس مركب بالإحباط، ليس فقط من بطء التغيير كما في زمن سعد زغلول، بل من حالة شلل شبه تام في مواجهة المتغيرات الكبرى. 

من منا لا يرى أن المخاطر تتزايد على الجميع، وأن الحدود التي نعتقد أنها تحمينا، صارت واهية أمام أمواج عدم الاستقرار؟ من منا لا يشعر أن السنوات "تروح وتيجي" والمشكلات تراكمية، والجمود هو السمة الوحيدة الثابتة في معادلة إقليمية متقلبة؟

لذا، فإن العودة إلى نص "على الحصيرة" اليوم، تحمل طبقة إضافية من القلق. فالسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط "هل سننهض يوماً عن حصيرتنا الفردية؟"، بل سؤال أكثر إلحاحاً: *هل تستطيع منطقتنا أن تنهض عن حصيرة الجمود والانتظار؟* وهل تدرك أن "يا سلام" التي نختم بها أحلامنا الفردية، قد تتحول إلى "يا خسارة" على المستوى الجمعي، إن لم ندرك أن الضوء الوحيد المتبقي في نفق الأزمات المظلم، هو التضامن الحقيقي للدفاع عن الوجود المشترك، قبل أن تلفحنا النيران من كل حدب وصوب؟

هل سننهض؟
هذه القصيدة ليست حديثاً عن اليأس بقدر ما هي محاولة لالتقاط تلك اللحظة الصادقة التي يواجه فيها الإنسان نفسه: هل نمضي مع الزمن، أم نكتفي بمراقبته وهو يمضي؟

وقد يكون الشعر أحياناً مجرد مرآة صادقة للحظة إنسانية. لكن الغريب أن بعض المرايا لا تعكس الحاضر فقط، بل تلمح أيضاً إلى ما قد يأتي لاحقاً. الأغرب منها، تلك المرايا التي ننظر إليها بعد سنوات، فلا نرى فيها تغيراً يذكر. كأن الزمن توقف ليُصدق ما كتبناه.

و لهذا، فإن عبارة «مفيش فايدة» تبدو اليوم وكأنها صرخة شعوب كاملة، لا مجرد جملة عابرة. السؤال الذي يطرحه النص لم يعد فردياً: هل تستطيع منطقتنا أن تنهض عن حصيرة الجمود والانتظار؟

وهذه هي القصيدة، أنشرها بعد خمس سنوات، تعبيراً عما شعرت به وما زلت أشعر به حتى اليوم. أو لعلي أنشرها لأترك السؤال مفتوحاً في وجه القارئ، كما هو مفتوح في وجه الزمن:

"هل سننهض يوماً عن الحصيرة؟".


على الحصيرة
د. عبدالعزيز حسين الصويغ
10 يناير 2021

مفيش فايدة  
قالها سعد باشا  
وحقولها أنا  
وغيري حيجي ويقولها  
بعد مية سنة  
ويمكن كمان أكثر  

وساعتها حنكون  
قاعدين على الحصيرة  
ونندب سنينا اللي راحت  

مش بس سنة  
سنين من عمرنا  
إنت وأنا  

كل ما تفوت سنة  
نقول: أهي سنة وعدّت  
وباقي لسه كم سنة  

حنقوم وننجز  
ونعوض اللي فات  
من عمرنا  

ويعدّي العمر ويجري  
وإحنا لسه في نفس المكان  
على نفس الحصيرة  

نندب حالنا ونقول:  
الإيد قصيرة… والعين بصيرة  

ونبقى كده على نفس الوتيرة  

سنة تروح  
وسنة تيجي  
وإحنا لسه زي ما إحنا  

رحنا جينا  
فاكرين نسينا  

بس إحنا زي ما إحنا  
على الحصيرة  

إيد ورا  
وإيد قدام  

وتعدّي بينّا الأيام  

وإحنا عايشين في الأحلام  
سلام… يا سلام…  
يا سلام.


ملاحظة: هذا المقال يعبر عن رؤية الكاتب الخاصة، ويهدف إلى فتح نقاش مجتمعي راقٍ حول قضايا المنطقة، بعيداً عن خطاب اليأس، وقريباً من روح المسؤولية الجماعية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.